دافعت وزارة الأشغال العامة والإسكان عن قانونية استملاك الأراضي والشراكة مع المستثمرين، وأعلنت استقبال مطالبات أصحاب الحقوق ومراجعة وثائقهم، في بيان نشرته على فيسبوك عقب احتجاجات على مشاريع سكنية في ضاحية قدسيا، مساء 28 أيلول/ سبتمبر 2026.
غلب الاعتراض على التعليقات التي فحصها فريق "تأكد" على المنشور، وقبل دفعة التأييد مساء اليوم التالي، أحصى التصنيف الأولي 209 تعليقات معارضة مقابل 62 مؤيدة. ثم تتابعت تعليقات ثلاثين حساباً مؤيداً خلال نحو 18 دقيقة، وعاد بعضها إلى جمل نشرتها حسابات أخرى قبل ذلك بساعات.
كشف التحليل عن 17 نصاً مؤيداً متكرراً تداولها 57 حساباً. قدّمت هذه المشاركات البيان كجواب حاسم على الاعتراضات، ووصف بعضها مطالبات أصحاب الأراضي بأنها وهمية، رغم إعلان الوزارة مراجعة وثائق كل حالة. وبأسماء مختلفة، اكتسبت الرسائل نفسها حضوراً متكرراً في النقاش.
دخل محتجون مقرَّي مشروعي أبيات هيلز وشام فيو، وأوقف آخرون آليات الحفر، في 26 أيلول/ سبتمبر. طالبوا بمراجعة حقوق عائلاتهم في أراضٍ يقولون إنها استُملكت قبل عقود، ثم طُرحت لمشاريع سكنية جديدة. وتتبّع تقرير سابق لمنصة "تأكد" خلفيات الاحتجاجات والخلاف على ملكية الأرض والتعويضات والغاية من الاستملاك.
ردّت الوزارة بعد يومين، قائلة إن غالبية قرارات الاستملاك المعنية تعود إلى عقود سابقة، وإن بدلات التعويض أُودعت وفق الإجراءات المعتمدة. وأعلنت استقبال المطالبات عبر مكتب مشترك مع محافظة ريف دمشق، مع تأكيد اختلاف الحالات وضرورة مراجعة وثائق كل عقار.
نُشر البيان عند الساعة 9:31 مساءً بتوقيت سوريا، وبدأت التعليقات التي شملها الفحص بعده بنحو أربع دقائق. انتقل الخلاف إلى فيسبوك، حيث استمرت الأسئلة عن التعويضات ومصير الأراضي والمنفعة العامة من المشاريع الاستثمارية. تتبّع فريق "تأكد" 377 تعليقاً كتبها 348 حساباً حتى صباح 1 تشرين الأول/ أكتوبر، وقارن نصوص التأييد وأوقات نشرها.
تكررت جمل كاملة في التعليقات المؤيدة، تحمل الكلمات والحجج نفسها عن حماية الحقوق وقانونية الاستملاك ودور المشاريع في التنمية.
ستة حسابات تداولت نصاً ينفي الاتهامات المتعلقة ببيع الأراضي والتخلي عن الحقوق، ويصف البيان بأنه تفنيد للافتراءات. واستخدمت ستة أخرى رسالة تطمئن المواطنين إلى حماية القانون لحقوقهم. وبالعدد نفسه، نشرت مجموعة ثالثة صيغة تربط حماية الملكيات بالأوراق الرسمية، وتؤكد أن الدولة توازن بين التنمية وحقوق الأفراد.
أما الرسالة المشتركة بين خمسة حسابات، فأكدت صون الحقوق بالقانون والدستور، وقدّمت المشاريع باعتبارها تخدم الجميع. وتوزعت بقية النصوص على شكر الوزارة والثقة بالقضاء ودعم الاستثمار والسكن وفرص العمل.
بقيت الكلمات وترتيبها متطابقة بعد استبعاد فروق التشكيل والتطويل والفراغات. وبذلك ظهر الدفاع نفسه عن الوزارة في تعليقات منفصلة، لكل منها اسم صاحب مختلف.
يكشف تطابق الجمل أن جزءاً من التأييد اعتمد على إعادة نشر نصوص واحدة، ومنح الموقف نفسه حضوراً بأسماء متعددة؛ لذلك لا تعني كثرة هذه التعليقات تعدد الآراء المستقلة.
تداولت ثلاثة حسابات نصاً يصف المطالبات الفردية بأنها وهمية، ويعتبرها عائقاً أمام مصلحة آلاف العائلات والخدمات والبنى التحتية. قدّمت هذه الصيغة أصحاب المطالبات كمعرقلين لمصلحة عامة، وجعلت استمرار المشاريع في مواجهة حقوق يطالبون بمراجعتها.
كانت الوزارة قد أعلنت استقبال الوثائق وفحص كل حالة، لكن النص المتكرر حكم على المطالبات قبل حسمها وفق هذا المسار. ومع وصف الافتراءات في رسالة نفي الاتهامات المتعلقة بالأراضي، تجاوز جزء من التأييد الدفاع عن المشاريع إلى التشكيك في الاعتراض عليها وفي مشروعية مطالبات أصحابها.
و حوّلت هذه الصيغ المطالبين بمراجعة حقوقهم إلى معرقلين للتنمية، وقدّمت مطالباتهم كأن بطلانها محسوم.
عادت بعض هذه الرسائل ضمن دفعة تأييد بدأت قرابة الثامنة إلا ربعاً مساء 29 أيلول/ سبتمبر، وخلال نحو 18 دقيقة، كتب ثلاثون حساباً تعليقاً مؤيداً واحداً لكل منها، بفواصل تراوحت بين أقل من نصف دقيقة ونحو دقيقة ونصف.
ظهرت رسالة نفي الاتهامات المتعلقة ببيع الأراضي مجدداً بعدما نُشرت فجراً، وعادت معها صيغة الطمأنة إلى حماية القانون للحقوق. ونشر حسابان النص الذي يربط صون الملكيات بالأوراق الرسمية، فيما كرر حساب آخر الرسالة التي تصف المطالبات الفردية بأنها وهمية.
كان 19 تعليقاً من الثلاثين ضمن النصوص المتكررة. ومن بينها 15 تعليقاً استخدمت حسابات أخرى صيغها خارج هذه الفترة أيضاً، بينما اقتصر تكرار الأربعة الباقية على الدفعة نفسها، اجتمع بذلك جزء من الرسائل المتداولة خلال اليوم في مشاركات متلاحقة بعد موجة الاعتراضات.
يقوّي تقارب التوقيت مؤشرات التنسيق؛ إذ عادت الرسائل نفسها عبر حسابات مختلفة خلال دقائق، لتضيف تأييداً متتابعاً إلى نقاش غلبت عليه الاعتراضات.
امتد التتبّع إلى 68 حساباً نشرت النصوص المؤيدة المتكررة أو شاركت في الدفعة المسائية. جمع 19 منها بين الأمرين، فنشر صيغة مشتركة مع حسابات أخرى وشارك أيضاً خلال الدقائق الثماني عشرة.
برز تقارب تواريخ الإنشاء وحداثتها لدى المشاركين في الدفعة، فبحسب البيانات التي جُمعت، أُنشئ 15 حساباً بين 28 آب/ أغسطس و1 أيلول/ سبتمبر 2026، وأربعة أخرى بين 25 و27 أيلول/سبتمبر، قبيل نشر البيان. أما البقية، فتضمنت عشرة حسابات تعود إلى عامي 2023 و2024، وحساباً غاب تاريخ إنشائه.
وتشابهت إشارات تحديث الملف الشخصي لدى هذه المجموعة؛ إذ ظهرت لدى 19 حساباً عبارة "قبل ثلاثة أيام" من تاريخ معاينتها خلال العمل على جمع البيانات، وقبل أسبوعين لدى عشرة.
خلال مراجعة الصفحات، بدت أعداد الأصدقاء والمتابعين قليلة لدى أغلب الحسابات. واستخدم كثير منها صوراً تعبيرية، إلى جانب صور تبدو مولدة بالذكاء الاصطناعي.
وثّقت تحقيقات سابقة استخدام حسابات متعددة لتكرار موقف سياسي ومنحه مظهر التأييد الواسع. تُعاد الرسالة بأسماء مختلفة، فتبدو كأنها آراء مستقلة. ويُستخدم هذا الأسلوب في حملات تُعرف بالذباب الإلكتروني، لترويج مواقف أو التشكيك في الخصوم والمحتجين.
في سوريا، رصدت دراسة سابقة عام 2011 حملات نظمها "الجيش السوري الإلكتروني" التابع للنظام المخلوع، استهدفت صفحات سياسية وإعلامية، بينها الجزيرة والعربية وفرانس 24، بتعليقات مؤيدة للنظام تتكرر بكثافة خلال ساعة أو ساعتين، في محاولة للتأثير في تغطية الأحداث السورية.
وفي النقاش حول "الخوذ البيضاء"، كشفت دراسة لباحثين من جامعة إنديانا عام 2020 مجموعات تعيد نشر النصوص نفسها، وأخرى تروّج محتوى واحداً عبر مواقع وحسابات متعددة. تتبّع الباحثون تشابه الكلمات وتقارب أوقات النشر، ورصدوا تداول الرسالة الواحدة عبر مصادر تبدو منفصلة.
وفي المغرب، جمع تحقيق لمنصة "هوامش" بين تتبّع الحسابات وفحص ما تنشره. رصد 143 حساباً تكرر نصوصاً في 529 منشوراً لترويج مواقف حزب الأغلبية، بينها تعليقات تصف احتجاج طلبة الطب بالتمرد. ووثّق انتحال صور، وفنّد معلومات روّجتها الحسابات عن انخفاض أسعار اللحوم بالرجوع إلى بيانات الأسعار.
توضح هذه الحالات كيف يخدم تكرار المحتوى الدعاية، وكيف يصاحبها نشر معلومات مضللة أو التشكيك في المطالبين بحقوقهم. وفي حالة الاستملاك، تكشف التعليقات تضخيم حضور التأييد بإعادة نشر النصوص، لكنها لا تتيح قياس تغيّر المزاج العام أو تحديد الجهة التي تدير المشاركة.
يبقى وصف المطالبات بأنها وهمية حكماً على حقوق لم يفصل فيها البيان. فتكرار العبارة لا يثبت بطلان المطالبات، كما أن تعدد الأسماء التي تنشرها لا يجعلها شهادات مستقلة على وضع الأراضي.
كشف التتبّع عن نمط مشاركة يجمع نصوصاً متطابقة وتوقيتاً متقارباً، فالتعليقات التي تبدو منفصلة عند قراءتها واحدةً واحدة، تتصل عند مقارنتها؛ حسابات مختلفة تتداول الرسالة نفسها، ويجتمع جزء منها على نشر التأييد خلال دقائق. وتضيف بيانات الإنشاء تقارباً زمنياً لدى عدد من المشاركين، مع بقاء هذه التواريخ بحاجة إلى توثيق.
يمنح هذا الأسلوب موقفاً واحداً مساحة بأسماء متعددة. وبعد موجة الاعتراضات، دخلت رسائل الدفاع عن الوزارة تباعاً، فظهر التأييد في ثلاثين مشاركة خلال نحو 18 دقيقة، رغم اعتماد جزء منها على صيغ سبق تداولها. وهنا تصبح كثرة التعليقات مضللة إذا قُرئت بوصفها آراء مستقلة.
وحمل التكرار رواية عن الخلاف نفسه، ربطت الرسائل المشاريع بالتنمية وحماية الحقوق، ووصف بعضها المطالبات بأنها وهمية وتعرقل مصلحة آلاف العائلات. انتقل النقاش بذلك، داخل هذه الصيغ، من مراجعة حقوق أصحاب الأراضي إلى التشكيك فيهم. فالبيان أعلن استقبال وثائقهم، بينما قدّمت التعليقات بطلان مطالباتهم كحقيقة محسومة، ثم أعادت نشر هذا الحكم بأسماء مختلفة.