
رحلة الموت بدأت من الرقة.. ماذا حدث لعائلة "صالح" عند مفترق طرق "أبو خشب"؟
تعرضت عائلة كردية نازحة من مدينة الرقة لتصفية ميدانية بتاريخ 18 كانون الثاني/ يناير 2026، عند نقطة تفتيش تابعة لمجموعات مسلحة بالقرب من قرية "أبو خشب" شمال دير الزور.


أقرت قوات سوريا الديمقراطية في بيان رسمي أصدره مركزها الإعلامي بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير 2026 بصحة التسجيلات المصورة التي توثق مقتل 21 شخصاً في قرية خروص جنوب عين العرب (كوباني)، إلا أن إقرارها رافقه ادعاء يبرر المجزرة التي أثارت موجة غضب بين السوريين على مواقع التواصل.

وبينما زعمت (قسد) أن الضحايا هم "مسلحون" قتلوا خلال تصدٍ لهجوم نفذته "فصائل تابعة لدمشق"، يكشف التحليل البصري والمكاني للمقاطع حقائق مغايرة تؤكد هويتهم المدنية. ويعتمد هذا التحقيق على تفنيد رواية (قسد) عبر مطابقة الأدلة الرقمية مفتوحة المصدر، والمظاهر الميدانية الموثقة في مسرح الجريمة.
أكدت مطابقة الأدلة الرقمية أن المقطعين الليلي والنهاري يوثقان حادثة واحدة في موقع جغرافي واحد، وتطابق عدد الجثث (21 جثة) في كلا المقطعين، كما أثبتت مطابقة تضاريس الأرض والصخور المحيطة بالجثث أن المقاطع صورت في النقطة الجغرافية ذاتها.


وأظهر التحليل البصري لمسرح الجريمة غياباً تاماً لأي مظاهر تسلح فردي أو جماعي لدى الضحايا الـ 21؛ حيث لم تُرصد أية أسلحة نارية أو ذخائر، أو أجهزة اتصال لاسلكي في المحيط المباشر للجثث أو ضمن كوادر التصوير.
كما خلت أجساد الضحايا من التجهيزات القتالية مثل الجعب العسكرية، وظهروا بملابس مدنية شتوية (سترات - قمصان - بناطيل جينز) دون أي أثر لزي عسكري موحد أو مموه.
وتشير وضعية الجثث في المقطع النهاري، حيث كانت مرصوفة بشكل منتظم وتسلسلي، إلى احتمالية تجميعهم بشكل مسبق وإعدامهم بشكل ميداني وليس نتيجة اشتباك متعدد الأماكن.
كما وثق المقطع الليلي عمليات ركل للجثث وتنكيل بها، وإطلاق نار من مسافة صفر على أشخاص فارقوا الحياة، مما يعزز فرضية التصفية الميدانية لا الاشتباك.
أثبتت عملية المطابقة الجغرافية أن مسرح الواقعة يقع بدقة في الريف الجنوبي لمدينة عين العرب (كوباني)، عند الإحداثيات (36°42'57"N 38°14'53"E)، داخل بستان يضم عدداً من أشجار الزيتون.
وأظهرت مقارنة المعالم البصرية الواردة في المقطع النهاري مع صور الأقمار الصناعية تطابقاً قاطعاً من حيث وجود الطريق الرئيسي المحاذي للموقع، وبساتين الزيتون المنظمة التي تحيط بالمنطقة الوعرة التي أُلقيت فيها الجثث.
حيث تُظهر المنطقة المحددة باللون البنفسجي بدقة الأرض الخالية التي جُمعت فيها جثث الضحايا بمحاذاة بستان الزيتون. ويحدد المربع الأزرق (المحيط بالأشجار) صفوف الشجر المنظمة مع وجود المساحة الخالية البينية التي ظهرت في الفيديو كخلفية لمسرح الجريمة.
من جانب آخر، المربع الأزرق (المحاذي للطريق) وجود الحافة الصخرية أو "السور الحجري" الذي يفصل بين منطقة تجميع الجثث وبين الطريق العام الموضح في صورة الأقمار الصناعية.


وبالاستناد إلى خريطة السيطرة الميدانية لموقع (Liveuamap) بتاريخ 22 كانون الثاني/ يناير 2026، تبين أن الموقع الجغرافي يقع تحت السيطرة الفعلية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكانت تشكل خطاً دفاعياً لها.
ويكشف التحليل الزمني للمقاطع عن تحرك العناصر المصورة بأريحية تامة في الموقع لفترات ممتدة بدأت ليلاً واستمرت حتى وضح النهار، مما أتاح لهم الوقت الكافي لتجميع الجثث ورصفها بشكل منتظم وتسلسلي دون اتخاذ أي وضعيات دفاعية أو احترازية.
عزز التحليل الصوتي للمقاطع الأدلة البصرية القائمة؛ حيث تحدث العناصر المنفذون اللغة الكردية بالهجة "الكرمانجية" السائدة في المنطقة.
ويوثق المقطع الليلي هتافات صريحة وشعارات مرتبطة أيديولوجياً بحزب العمال الكردستاني، مثل "Biji Serok Apo" و"Tûl hildan"، مما يشير إلى دافع انتقامي صرح به المصور بوضوح بوصف العملية "انتقاماً لكوباني".
كما كشف المقطع النهاري عن طبيعة السلوك الميداني للمنفذين؛ حيث تحدث أحد العناصر بنبرة استهزاء عن فكرة تفخيخ الجثث قبل التراجع مردداً عبارة "خسارة على ألغامنا" (حيفا ماينة مه)، معتبراً أن استخدام الرصاص كان خياراً "أفضل" بالنسبة لهم.
إن هذا الخطاب، المترافق مع عمليات التنكيل بالجثث في المقطع الليلي، يعزز فرضية حدوث إعدام ميداني منظّم، ويبعد رواية "الاشتباك العسكري المتبادل".
تشير نتائج التحقق إلى مقتل 21 شخصاً في ريف عين العرب (كوباني) الجنوبي، وهي منطقة تخضع للسيطرة الفعلية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). وتُظهر المواد المصورة المتداولة أن الضحايا كانوا يرتدون ملابس مدنية، ولا يظهر في محيطهم أي أسلحة أو تجهيزات عسكرية.
وبمراجعة الأدلة الرقمية المتاحة، لا تتطابق المشاهد المصورة مع الرواية التي وصفت الضحايا بأنهم مسلحون قُتلوا خلال اشتباك، إذ لا تتضمن اللقطات ما يدعم وقوع مواجهة مسلحة في موقع الحادثة.
وحتى الآن، لم تُعلن أي جهة رسمية عن هويات الضحايا أو ظروف وجودهم في المكان. ففي حين تصفهم البيانات الرسمية بأنهم عناصر مسلحة، تتداول مصادر محلية روايات مختلفة، من بينها أنهم مزارعون من المنطقة، أو أشخاص كانوا محتجزين قبل مقتلهم. وتبرز هذه التناقضات الحاجة إلى تحقيق مستقل يوضح أسماء الضحايا، وخلفياتهم، والملابسات التي سبقت مقتلهم.
ويُعد الكشف عن هويات الضحايا وتقديم رواية موثقة حول ما جرى خطوة أساسية لفهم الحدث وسياقه، ووضع حد لتضارب المعلومات المتداولة حوله.