أدانت وزارة الخارجية السورية استكمال إسرائيل العمل في "خط سوفا 53"، واعتبرته خرقاً لاتفاق فصل القوات لعام 1974، مطالبة بإجراءات دولية لوقف الاعتداءات والتوغلات داخل الأراضي السورية، في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
وفي اليوم نفسه، أفادت الإخبارية باستئناف القوات الإسرائيلية الحفر غرب قرية العشة بريف القنيطرة، ضمن خط الفصل مع الجولان المحتل، في إطار ما تسميه "مشروع سوفا 53".
أعادت الأعمال في العشة إلى الواجهة اسماً ارتبط بشق طريق عسكري على الجبهة السورية قبل سقوط نظام الأسد، لكن ما يجري حول الطريق اتسع خلال السنوات التالية، مع إنشاء عوائق جديدة وانتشار القوات داخل الأراضي السورية، ومن أصل المحور وموقعه تبدأ صلته بما تغير على الأرض.
ما هو "سوفا 53" وأين يمتد؟
تسمي الوثائق العسكرية الإسرائيلية الطريق "محور سوفا"، وتحمل الكتيبة المدرعة 53 التابعة للواء 188 اسم "سوفا"، وهي إحدى الوحدات التي شاركت في شقه. أما صيغة "سوفا 53"، فتظهر في التغطية السورية اسماً للمشروع، ثم وردت في الإدانة الرسمية الأخيرة.
وفي عدد مايو/ أيار 2023 من مجلة شيريون، وصف قائد سرية مشاركة الكتيبة في شق "محور سوفا" بقطاع أفيتال، وقال إن الأعمال تعزز حركة القوات والردع، وتناول شق الطريق قرب حقول يزرعها سوريون خلف السياج التقني الإسرائيلي.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، في 12 مارس/ آذار 2023، شق طريق في جنوب الجولان بمشاركة الكتيبة 53 ووحدات الهندسة والمشاة. ووضع الأعمال ضمن شبكة محاور مخطط لها بمحاذاة خط ألفا، يتجاوز طولها 90 كيلومتراً وصولاً إلى المثلث الحدودي مع الأردن. ويتعلق الرقم بطول الشبكة المخطط لها، ولا يحدد طول ما أُنجز من "محور سوفا".
ويؤرخ مركز سجل بداية الأعمال بمنتصف 2022، ويصف نطاقها من محيط حضر شمالاً باتجاه جباثا الخشب والحميدية، ثم القحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة، وصولاً إلى العشة والمثلث الحدودي جنوباً، ولم يرفق هذا الوصف بخريطة تفصيلية تصل جميع المقاطع.
وتصف الإخبارية طريقاً بعرض ثمانية أمتار، تحيط به سواتر يصل ارتفاعها إلى خمسة أمتار، وترافقه خنادق ونقاط مراقبة داخل المنطقة العازلة. وهذه الأبعاد واردة في وصف القناة؛ أما الوثائق العسكرية الإسرائيلية فتتناول أعمال شق محاور ومقاطع محددة.
وتوضح خطوط اتفاق 1974 موقع هذه الأعمال بالنسبة إلى المنطقة التي يفترض أن تبقى خالية من القوات العسكرية للطرفين، فقد أبقى الاتفاق الجيش الإسرائيلي غرب خط ألفا، مع ترتيب خاص عند خط ألفا في القنيطرة، والجيش السوري شرق خط برافو. وبينهما تقع منطقة الفصل تحت الإدارة المدنية السورية ومراقبة قوة الأمم المتحدة "أندوف". والسياج التقني لا يطابق بالضرورة خط ألفا، ولذلك لا يكفي وصف الأعمال بأنها خلف السياج لتحديد موقعها بالنسبة إلى خطوط الاتفاق.
خريطة انتشار قوات الأندوف ويوضح خطي ألفا وبرافو
كيف ارتبط الطريق بالتحصينات الجديدة؟
يتيح الطريق حركة المركبات ووصول القوات إلى مواقعها، أما الخنادق والسواتر والصخور، فيصفها الجيش بأنها عوائق لتأخير تقدم المركبات. وهذا النوع من الأعمال ظهر في بياناته عام 2024 باسم "الشرق الجديد"، إلى جانب المحاور العسكرية على الجبهة نفسها.
رصدت أندوف، في بيان، إنشاء عوائق بمحاذاة خط وقف إطلاق النار منذ يوليو/تموز 2024. وفي 4 نوفمبر/ تشرين الثاني، شرحت القوات الإسرائيلية "الشرق الجديد" بوصفه خندقاً تصطف الصخور على أحد جانبيه ويرتفع ساتر ترابي على الآخر. وقال ضابط الهندسة إن العائق لا يمنع الاختراق بمفرده، ويعمل ضمن منظومة تعتمد على الإنذار وتدخل القوات، وأشار إلى العمل على الآليات منذ نحو ستة أشهر.
وفي 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وصفت صحيفة مكور ريشون الإسرائيلية توسيع العوائق من مقاطع اختارها الجيش إلى نطاق يمتد من محيط مجدل شمس إلى المثلث الحدودي. وذكرت تجاوز الإنجاز 60%، مع توقع انتهاء الأعمال بنهاية 2026. وفي 9 أغسطس/ آب 2026، نقل موقع Ynet عن الجيش إنجاز نحو 80% من حفر خنادق "الشرق الجديد"، بعمق وعرض أربعة أمتار.
وذكرت مكور ريشون تشغيل 50 آلة ثقيلة في خمسة مواقع، بينها آليات مستأجرة من شركة مدنية، وربطت العائق بإنشاء مواقع وشق طرق ضمن 13 مشروعاً هندسياً في قطاع الفرقة 210، وبعرضه نموذجاً لجبهتي الأردن ولبنان. وذكر Ynet تأخر الأعمال بسبب استخدام الآليات أيضاً في لبنان، وتعزيز السيطرة عبر تسعة مواقع بحجم سرية ودوريات داخل القرى.
وللخنادق سابقة في المنطقة؛ ففي ربيع 1973، أطال الجيش الإسرائيلي الخندق المضاد للدبابات وعمّقه قرب القنيطرة والرفيد، وأقام منصات للدبابات وحقول ألغام، وفق أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلية، وانتشرت الكتيبة 53 في القطاع الجنوبي عند اندلاع حرب تشرين (أكتوبر).
يُذر أن إسرائيل السياج عززت خلال سنوات الثورة السورية، ثم أعادت استخدام منشآت أقدم. ففي يناير/ كانون الثاني 2013، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحاجة إلى سياج محصّن، مستنداً إلى مخاوف من الجماعات المسلحة وتراجع وجود الجيش السوري قرب الجبهة. ووصف Ynet، في تقرير نشره في ديسمبر/ كانون الأول 2024 استناداً إلى جولة مراسله في أغسطس/ آب، إعادة إشغال موقع "كيبود" قرب معبر القنيطرة وتجديد خنادقه، إلى جانب مواقع قديمة أخرى.
ماذا تغيّر حول المحور بعد 2024؟
سبق شق محور "سوفا" سقوط النظام المخلوع، لكن الأعمال على الجبهة تواصلت بعد دخول القوات الإسرائيلية إلى أراضٍ سورية جديدة في كانون الأول/ديسمبر 2024.
ووصفت إسرائيل دخولها بأنه إجراء دفاعي مؤقت، قبل أن يعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، خلال زيارته الجانب السوري من جبل الشيخ في 28 كانون الثاني/يناير 2025، بقاء القوات في القمة و"المنطقة الأمنية" إلى أجل غير محدد.
وسجل تقرير الأمم المتحدة عشرة مواقع إسرائيلية داخل منطقة الفصل واحتلال منزلين في منطقة تحديد القوات، حتى 18 شباط/ فبراير 2025.
وبحلول 13 شباط/ فبراير 2026، أحصى تقرير أممي لاحق بقاء وتعزيز 11 موقعاً، ثمانية داخل منطقة الفصل وثلاثة في منطقة تحديد القوات على الجانب السوري. واعتبر الوجود والنشاط العسكري هناك خرقاً لاتفاق فصل القوات، وسجل تضرر مساحات زراعية وحرمان السكان من الوصول إلى أراضٍ أخرى بسبب تعزيز العوائق وتعديل طرق الوصول.
في الحميدية وجباثا الخشب، اللتين يرد اسماهما في وصف امتداد المحور، وثقت المصادر آثار إنشاء المواقع العسكرية على المنازل والأرض. فقد أخرجت القوات الإسرائيلية ثماني عائلات من منازلها في الحميدية في كانون الأول/ ديسمبر 2024، ثم هدمت 12 مبنى على الأقل في 16 حزيران/ يونيو 2025، بحسب هيومن رايتس ووتش.
وأكدت الصور الفضائية الهدم، بينما قال السكان إن الجنود برروا إخراجهم وتدمير منازلهم بوجود موقع عسكري جديد قربها. وروت إحدى النساء أن عائلتها أعادت بناء منزلها عام 2018 بالاقتراض من الأقارب، بعدما دمرته الحرب، ثم فقدته مجدداً ومعه حديقة العنب.
وفي جباثا الخشب، وثقت المنظمة إزالة أكثر من 45 هكتاراً من الغابة حتى حزيران/ يونيو 2025، مع إنشاء موقع عسكري قربها. ونقلت عن أحد وجهاء البلدة تقديراً بإغلاق سبعة آلاف دونم مزروعة بالزيتون والتفاح والكرز بالأسلاك الشائكة أو إدخالها ضمن مناطق عسكرية. فالصور تثبت مساحة الغابة المزالة، أما تقدير الأراضي المغلقة فمصدره إفادة أحد وجهاء البلدة، ويشمل أراضي مُنع استخدامها دون تجريفها.
وامتدت الأضرار إلى المياه والزراعة. ففي تقرير مشترك مع الأرشيف السوري، حصلت "تأكد" على وثيقة داخلية لمؤسسة مياه القنيطرة نسبت إلى القوات الإسرائيلية تجريف خطوط مياه في الحميدية، وتدمير بئر كودنة الشمالي ومولدته وتجريف خط الضخ بين الأصبح وكودنة، إلى جانب أضرار في قرى أخرى. وقال مسؤول محلي في الحميدية إن تقييد الوصول إلى الأراضي قلّص الزراعة والرعي، ودفع السكان إلى بيع جزء من مواشيهم. وقدّر فقدان ما بين 70 و80 شخصاً أعمالهم، فيما يعتمد الأهالي على آبار يدوية للري وسقاية المواشي.
ووثق التقرير أيضاً 22 حادثة مرتبطة بسدود القنيطرة بين كانون الأول/ديسمبر 2024 ونهاية 2025، منها 13 عند سد المنطرة، شملت قيود الوصول وحواجز التفتيش والوجود العسكري في محيطه. وأكد مدير الموارد المائية بسام أحمد الشمالي لتأكد منع دخول المدنيين إلى السد في شباط/ فبراير 2025، لكنه نفى احتلاله أو تعطيل تشغيله، وقال إن الموظفين استمروا في عملهم.
وشهدت قرى أخرى واردة في وصف امتداد المحور محاولات دخول بهدف الاستيطان؛ ففي نيسان/ أبريل 2026، نشرت حركة "رواد باشان" مقاطع لأعضائها يرفعون الأعلام فوق منزل قالت إنه قرب حضر، وفق أسوشيتد برس.
وفي 22 أيلول/ سبتمبر، عبر 14 شخصاً إلى منطقة قرب بئر عجم سعياً للعودة إلى موقع يسمونه "نيفيه باشان"، بحسب موقع JDN العبري، الذي نقل بيان الجيش عن إخراجهم وتسليمهم للشرطة. وتعلن الحركة رغبتها في إقامة مستوطنات جنوب سوريا، لكن هذه الوقائع لا تثبت قيام مستوطنة دائمة في الموقعين أو اعتماد الحكومة مطلبها.
سيتضح أثر "سوفا 53" مع استمرار الأعمال حوله، وما يطرأ على المواقع العسكرية والأراضي المحيطة من تغيّرات. وسيكون فتح الحقول أمام أصحابها وإتاحة العودة إلى المنازل والوصول إلى المياه، أو استمرار القيود عليها، من المؤشرات على أثر هذا الانتشار في حياة السكان.
ويمكن للجولان أن يقدم خلفية تاريخية لهذا السؤال؛ فبعد احتلاله عام 1967، أقامت إسرائيل مستوطنات، ثم فرضت قوانينها وإدارتها عليه عام 1981، في قرار اعتبره مجلس الأمن باطلاً ودون أثر قانوني دولي. واستمر توسيع الاستيطان والبنية التحتية، وصولاً إلى خطة تطوير كاتسرين التي أقرها الاحتلال في نيسان/أبريل 2026. هناك، أعقبت السيطرة العسكرية خطوات استيطانية وإدارية استمرت على مدى عقود.
أما قرب حضر وبئر عجم، فما تزال محاولات "رواد باشان" دون مستوطنات دائمة موثقة، ولا تثبت المصادر أن شق "سوفا" هدف لخدمتها، وسيغيّر ظهور إقامة مستمرة أو قرار رسمي يسمح بالاستيطان طبيعة هذه المحاولات وحجم أثرها.
ويبقى مستقبل المنطقة مرتبطاً بما يحدث على الأرض؛ هل يستمر تعزيز المواقع وإغلاق الأراضي، أم تُتاح للسكان العودة واستخدام مواردهم؟ وهل تتبع محاولات الاستيطان خطوات رسمية؟ تمنح تجربة الجولان هذه الأسئلة وزناً، لكن الإجابة عنها تتطلب وقائع جديدة تثبت اتجاه الأعمال حول "سوفا"، بدلاً من اعتبار تكرار المسار السابق نتيجة محسومة.