شهد شهر شباط/ فبراير 2026 استمراراً في حضور المعلومات المضللة والكاذبة المرتبطة بالشأن السوري على منصات التواصل الاجتماعي، لكن بوتيرة أقل مقارنةً بشهر كانون الثاني/ يناير 2026، ويُعزى ذلك إلى توصل الحكومة السورية و(قسد) إلى اتفاق بتاريخ 30 كانون الثاني/ يناير 2026، وترتب على ذلك تهدئة نسبية وتراجعاً في الاشتباك الإعلامي المباشر بين الطرفين.
إذ انعكس هذا التحوّل على "مصادر الادعاء" التي كانت تساند طرفاً بعينه عبر تداول معلومات مضللة وأكاذيب تستهدف الطرف الآخر في إطار ما يعرف بـ"الحرب النفسية"، حيث تميل هذه البيئات عادةً إلى تكثيف الإنتاج والتداول عندما تكون المواجهة في ذروتها، ثم تخفّ حدّتها حين تتراجع محفزات التعبئة ويقلّ هامش الاستثمار في خطاب التحريض والتشويش المرتبط بالصراع المباشر.
وعملت منصة (تأكد) خلال الشهر على التحقق من 66 مادة، توزع تصنيفها بين محتوى كاذب ومضلل وخارج السياق ونظريات مؤامرة وأخطاء ومحتوى كاذب باسم العلم، وأنجزت 31 مادة مؤكدة.
وأظهرت بيانات الشهر أن "التضليل" و"الكذب" بقيا أبرز نمطين للمحتوى غير الصحيح، بنسبة تقارب 47% و 44% على التوالي من إجمالي المواد المتحقَّق منها غير المؤكَّدة، فيما حضرت الأنماط الأخرى بنسب أقل مثل الكذب باسم العلم، والخطأ، والمحتوى خارج السياق، ونظريات المؤامرة.
وعلى مستوى الجهات المستهدفة، ظلّ الجمهور العام الفئة الأكثر استهدافاً بالادعاءات، يليه كلٌّ من السلطة والمعارضة، ثم الشخصيات بعينها، في حين كان استهداف مكوّنات أو طوائف محددة بنسبة أقل، ما يعكس البعد السياسي والاجتماعي المتشابك للتضليل في البيئة السورية.
أما من حيث أهداف الادعاءات، فتصدّر التحريض المشهد بنسبة 43.94% من المواد، تلاه التشويش بنسبة 30.30%، ثم كسب التفاعل والدعاية الإعلامية بنسب متقاربة، مع تسجيل حالات محدودة من محاولات التصيد الاحتيالي، بما يؤكد استخدام التضليل كأداة للتأثير السلوكي وليس لنقل معلومات خاطئة فقط.
وفي ما يخص آليات التضليل، استمرت الفبركة الكاملة للمحتوى باعتبارها الآلية الأكثر شيوعاً بنسبة 58.21% من المواد، تلاها استخدام سياقات غير مرتبطة بنسبة 25.37%، مع ظهور محدود لاستخدام الذكاء الاصطناعي والاجتزاء والانتحال، إلى جانب التلاعب بالحقائق.
كما حافظ فيسبوك على موقعه كأبرز ساحة لانتشار الادعاءات التي تعاملت معها المنصّة بأكثر من نصف المواد، تلاه إكس، ثم تطبيقات المراسلة المغلقة مثل واتساب وتيليغرام، بالإضافة إلى إنستغرام وبعض القنوات الإخبارية، فيما ظلّت العربية اللغة الطاغية للادعاءات مع حضور محدود للتركية والإنكليزية.
تعامل المساعد الذكي مع 669 محادثة من 485 مستخدماً، من بينهم 326 مستخدماً جديداً، فيما عاد 159 مستخدماً للاستفادة منها مجدداً. وتُظهر البيانات أن نحو 24٪ من المحادثات (161 محادثة) تضمنت طلبات تحقق محددة حُوّلت إلى مهام للفريق المختص، في حين جرى تصعيد 5٪ من المحادثات (31 محادثة) للتدخل البشري المباشر.
الاستنتاجات
انحسار نسبي في كثافة التضليل: شهد شهر شباط/ فبراير 2026 تراجعاً في وتيرة إنتاج المواد المضللة مقارنة بشهر كانون الثاني/ يناير، ويعزى ذلك إلى التهدئة النسبية بعد اتفاقات 30 كانون الثاني. ومع ذلك، لا تزال البيئة المعلوماتية ملوثة، حيث شكلت المواد الخاضعة للتحقق نسبة تقارب 68% من إجمالي الإنتاج.
استمرار التحريض كهدف رئيس: ظل "التحريض" الهدف الأبرز لعمليات التضليل بنسبة 43.94%، متقدماً على "التشويش" (30.30%)، مما يؤكد استمرار توظيف التضليل كأداة للتأثير السلوكي وتأجيج الاستقطاب.
استهداف الجمهور العام: بقي الجمهور العام الفئة الأكثر استهدافاً بالادعاءات بنسبة 39.39%، مع ملاحظة زيادة في استهداف "السلطة" (24.24%) مقارنة بالمعارضة (13.64%).
هيمنة الفبركة الكاملة: تصدرت "الفبركة" آليات التضليل بنسبة 58.21%، مما يشير إلى اعتماد متزايد على اختلاق القصص من العدم.
تؤكد النتائج أن منصات التواصل المفتوحة، ولا سيما فيسبوك وإكس، بقيت الساحة الرئيسة لانتشار الادعاءات، في حين تمثل تطبيقات المراسلة المغلقة بيئة أقل شفافية وأكثر قابلية لإعادة تدوير المحتوى المضلل.
فاعلية الأدوات التقنية: أثبت التحقق مفتوح المصدر (OSINT) كفاءته كركيزة أساسية بنسبة 64.71%، ولعب "المساعد الذكي" دوراً حيوياً في تعزيز التفاعل مع الجمهور وتحويل 24% من طلبات التحقق إلى مهام عمل فعلية.
التوصيات
أولاً: للحكومة السورية والجهات الرسمية
تعزيز الشفافية الاستباقية من خلال نشر بيانات رسمية دورية حول القضايا الخدمية والأمنية.
تبني قانون حق الوصول للمعلومات وتسهيل وصول الصحفيين والباحثين إلى البيانات الرسمية.
مكافحة خطاب الكراهية وإصدار تشريعات واضحة تجرم التحريض الطائفي والمجتمعي.
إنشاء وحدة حكومية للرد على الشائعات تعمل بشفافية وتنسّق مع المؤسسات الإعلامية ومنصات التحقق.
التنسيق مع منصات التحقق: بناء جسور تواصل مع منصات التحقق المستقلة لتوفير الردود السريعة.
تعزيز السلامة الرقمية للعاملين في الإعلام عبر التدريب وآليات الحماية.
ثانياً: لوسائل الإعلام والصحفيين
ترسيخ ثقافة التحقق داخل غرف الأخبار.
الاستثمار في تدريب الصحفيين على أدوات التحقق الرقمية.
إسناد التغطيات الحساسة إلى صحفيين يمتلكون خبرة كافية بالسياق المحلي.
تعزيز الشفافية والتواصل المباشر مع الجمهور.
التعامل بحذر مع المحتوى المأخوذ من وسائل التواصل الاجتماعي.
تفعيل التعاون بين المؤسسات الإعلامية ومنصّات التحقق.
اعتماد خطاب إعلامي يراعي حساسية المرحلة ويحدّ من الاستقطاب.
وضع سياسات واضحة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.
ثالثاً: للجمهور العام ومستخدمي المنصات
التريث قبل المشاركة: ضرورة التحقق من مصدر الخبر قبل إعادة نشره.
الاعتماد على المصادر الموثوقة: متابعة منصات التحقق المتخصصة واستخدام أدوات مثل "المساعد الذكي".
المساهمة في بيئة رقمية آمنة: الاستفادة من الأدوات التقنية المتاحة للتأكد من صحة الادعاءات المتداولة قبل المساهمة في نشرها.