
الفيديو لا يوثّق مظاهرة حديثة في دمشق ضد الرئيس أحمد الشرع
انتشرَ اليوم على صفحات "فيسبوك" ادعاءٌ بخروج مظاهرات حاشدة في دمشق ضد الرئيس السوري أحمد الشرع مرفقاً بفيديو يدّعي أنه يوثّق تلك المظاهرات.

صوت مولَّد بالذكاء الاصطناعي من نص المقال.
أعادت واقعة الجدل بشأن تعيين موظف في السفارة السورية بالعاصمة الإسبانية مدريد، وما رافقها من نفي إعلامي استند إلى مصادر في وزارة الخارجية السورية، طرح تساؤلات مهنية حول حدود الثقة بالمعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، ومدى كفاية تأكيداتها أو نفيها في إثبات صحة المعلومات، خصوصاً لدى المؤسسات الإعلامية المتخصصة في تدقيق الحقائق ومكافحة التضليل.
ففي حين تُعد الجهات الحكومية مصدراً أساسياً للمعلومات المتعلقة بقراراتها وأنشطتها، أظهرت تجارب سابقة أن التصريحات الرسمية قد تتضمن معلومات غير دقيقة، أو تتعارض مع وثائق وأدلة مستقلة، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: متى يكون التصريح الرسمي كافياً للنشر، ومتى يصبح من الضروري البحث عن أدلة إضافية قبل تأكيد المعلومات أو نفيها؟
بدأ الجدل عقب تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، تحدثت عن تعيين بسام أبو الذهب ملحقاً للشؤون الإدارية والمالية في السفارة السورية بالعاصمة الإسبانية مدريد، بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وكان أبو الذهب يعمل سابقاً في السفارة السورية لدى الكويت خلال فترة حكم النظام المخلوع، فيما أرفق ناشرو المنشورات صوراً منسوبة إلى حسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها إلى جانب شخصيات سورية داخل مقر السفارة، وخلفه صور لبشار الأسد.
وأثارت المعلومات انتقادات من سوريين، تساءلوا عن معايير اختيار الموظفين في البعثات الدبلوماسية بعد سقوط النظام، في ضوء الخلفية الوظيفية لأبو الذهب والصور المتداولة من حسابه الشخصي.
وفي أعقاب انتشار المنشورات، نقلت صحيفة "الوطن" -شبه حكومية- عن مصدر خاص أن البعثات الدبلوماسية السورية التي لم تشملها الدفعة الأولى من التغييرات لم تشهد أي عمليات توظيف جديدة، مؤكداً أن العمل جارٍ على تجهيز دفعة ثانية من المبتعثين لاستبدال الطواقم القديمة.
واعتبر المصدر أن المعلومات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي "لا صحة لها"، ووصفها بأنها جزء من "حملة منظمة للتشويش على الدفعة الثانية من المبتعثين للخارج".
كما نشرت منصة "كشاف"، المتخصصة في تدقيق المعلومات، مادة صنّفت فيها الادعاء بأنه "مضلل"، استناداً إلى إفادة مصدر خاص في وزارة الخارجية السورية، أكد أن السفارة في مدريد لم تشهد أي تعديلات أو تعيينات جديدة منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، قبل أن تسحب المنصة المادة وتتراجع عن تصنيفها، وتقدم اعتذاراً لمتابعيها، بعد أن تبيّن عدم دقة المعلومات التي قدمها المصدر الرسمي الذي استندت إليه في عملية التحقق.
وأظهر التحقق، من خلال مراجعة القائمة الدبلوماسية الرسمية المنشورة على الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الإسبانية، إدراج اسم "Mhd Bassem ABO ALZAHAB" ضمن طاقم السفارة السورية في مدريد، بصفة ملحق للشؤون الإدارية والمالية، بتاريخ 7 أيار/مايو 2025، أي بعد نحو خمسة أشهر من سقوط نظام بشار الأسد.

وتتعارض هذه المعطيات مع إفادة المصدر في وزارة الخارجية السورية بشأن عدم إجراء أي تعيينات أو تعديلات في البعثة منذ سقوط النظام، إلا أن الوثيقة لا تحدد تاريخ صدور قرار التعيين من الجانب السوري، أو ما إذا كان تسجيل أبو الذهب جاء نتيجة تعيين جديد أم إجراء إداري يتعلق بنقله من بعثة أخرى.
وتتجاوز أهمية هذه الواقعة الجدل بشأن الموظف نفسه، لتسلط الضوء على إشكالية مهنية تتمثل في اعتماد إفادة مصدر رسمي غير معلن بوصفها أساساً لحكم نهائي على صحة معلومة متداولة، دون استكمال البحث في الوثائق والسجلات المتاحة لدى الجهات المعنية.
بعد أقل من شهرين على سقوط نظام بشار الأسد، واجهت منصة "تأكد" واحدة من تجاربها المبكرة مع دقة المعلومات الصادرة عن المصادر الرسمية، إثر انتشار أنباء على مواقع التواصل الاجتماعي تحدثت عن إعادة تعيين ديالا بركات وزيرةً للثقافة، وهي التي كانت تشغل المنصب ذاته في حكومة النظام المخلوع.
وتلقت المنصة حينها عدداً كبيراً من طلبات التحقق من صحة هذه المعلومات، في وقت لم تكن فيه وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" أو المؤسسات الإعلامية الحكومية قد استأنفت عملها بصورة كاملة، ما صعّب الوصول إلى معلومات رسمية يمكن الاستناد إليها.
وتواصل فريق "تأكد" مع وزارة الإعلام السورية للتحقق من صحة الأنباء المتداولة، وتلقى تأكيداً من الوزارة بصحتها، قبل أن تعود مديرية العلاقات العامة فيها وتتواصل مع المنصة، في 23 كانون الثاني/يناير 2025، متراجعةً عن إفادتها السابقة، ومؤكدةً عدم صدور أي قرار رسمي بتكليف شخص بحقيبة وزارة الثقافة، وأن المنصب لا يزال شاغراً، وواصفةً التأكيد السابق بأنه "خطأ"، دون توضيح ملابساته.
وبناءً على هذا التراجع، حذفت منصة "تأكد" الخبر الذي نشرته استناداً إلى التأكيد الرسمي، وأصدرت توضيحاً لجمهورها بشأن ما حدث، التزاماً بسياستها التحريرية في تصحيح المعلومات غير الدقيقة والشفافية بشأن الأخطاء.
في تجربة أخرى واجهتها منصة "تأكد"، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، في 18 أيار/مايو 2026، معلومات تحدثت عن توجيه من الرئيس السوري أحمد الشرع برفع سعر شراء طن القمح بمقدار 9000 ليرة سورية جديدة، ليصل إلى نحو 410 دولارات للطن الواحد، فيما تحدثت منشورات أخرى عن تقديم منحة مالية بالقيمة نفسها عن كل طن قمح يورّده المزارعون إلى مراكز الحبوب الرسمية.
وجاء تداول هذه المعلومات بالتزامن مع احتجاجات شهدتها مدينة الرقة على أسعار شراء القمح التي حددتها وزارة الاقتصاد والصناعة، وسط مطالبات من المزارعين برفع الأسعار بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج.
وفي 19 أيار/مايو، نشرت منصة "تأكد" مادة للتحقق من صحة المعلومات المتداولة، بعد تواصل فريقها مع مدير إعلام وزارة الاقتصاد والصناعة، حسن الأحمد، الذي نفى صحة الادعاء، مؤكداً عدم صدور أي تعديل على سعر شراء القمح. كما لم يُظهر البحث في الموقع الرسمي للوزارة أو منصاتها المعتمدة أي إعلان يدعم صحة المعلومات المتداولة حتى وقت نشر المادة.
واستناداً إلى نفي المصدر الرسمي وغياب أي إعلان حكومي يؤكد صدور القرار، خلصت المنصة إلى أن الادعاء غير صحيح، وصنّفته ضمن المعلومات المضللة.
لكن بعد نحو ثلاثة أيام من انتشار الادعاء، وتحديداً في 21 أيار/مايو 2026، نُشر المرسوم الرئاسي رقم (120) لعام 2026، القاضي بمنح مكافأة تشجيعية قدرها 9000 ليرة سورية جديدة عن كل طن قمح يتم تسليمه إلى المراكز الرسمية، إضافة إلى سعر الشراء المعتمد.
المرسوم حمل تاريخ 18 أيار/مايو 2026، أي قبل يوم واحد من نشر منصة "تأكد" مادة التحقق التي استندت إلى نفي مدير إعلام الوزارة، ما أظهر أن القرار كان قد صدر بالفعل قبل تقديم الإفادة الرسمية التي نفت وجوده.
وعقب نشر المرسوم، عادت منصة "تأكد" ونشرت مادة تؤكد صدور القرار وتوضح تفاصيل المكافأة التشجيعية، التي رفعت القيمة الإجمالية لطن القمح القاسي من الدرجة الأولى من 46 ألفاً إلى 55 ألف ليرة سورية جديدة.
تُعد المؤسسات الحكومية مصادر أولية مهمة للمعلومات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقرارات الإدارية والبيانات الحكومية والإحصاءات الرسمية والإجراءات التي تتخذها المؤسسات العامة, لكن امتلاك الجهة الرسمية صلاحية إصدار قرار أو الإعلان عنه لا يعني بالضرورة أن كل معلومة تقدمها دقيقة أو مكتملة.
وقد تنشأ الأخطاء نتيجة ضعف التنسيق بين الإدارات، أو عدم اطلاع المتحدث على جميع التفاصيل، أو الاعتماد على معلومات أولية لم تُستكمل مراجعتها. كما أن بعض التصريحات قد تعكس موقف المؤسسة من واقعة معينة، وليس نتيجة تحقق مستقل منها.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند التعامل مع النفي الرسمي؛ فقول جهة حكومية إنها لم تصدر قراراً معيناً يختلف عن نفي وقوع حدث ميداني، أو نفي وجود وثيقة، أو التشكيك في شهادة أو مادة مصورة.
ففي الحالة الأولى، قد تكون الجهة صاحبة الاختصاص المباشر والأقدر على توضيح سجلاتها، بينما تتطلب الحالات الأخرى البحث عن أدلة مستقلة، خصوصاً إذا كانت هناك وثائق أو شهادات أو تسجيلات تتعارض مع التصريح.
كذلك، فإن تعدد وسائل الإعلام التي تنقل تصريحاً رسمياً واحداً لا يشكل تعدداً مستقلاً في مصادر التحقق، ما دامت جميعها تستند إلى الإفادة الأصلية نفسها، حتى وإن نُشرت المعلومة على نطاق واسع.
لا تقتصر الإشكالية على تقديم مصادر حكومية معلومات غير دقيقة للصحفيين، بل تمتد إلى غياب الوضوح في الإعلان عن بعض القرارات الحكومية، أو تداول معلومات بشأنها قبل أن تتبناها الجهات المعنية أو تنفيها، وهو ما تناولته منصة "تأكد" في تقرير سابق نشرته في 22 نيسان/أبريل 2025، بعنوان "سياسة جس النبض... هكذا تختبر الدولة السورية الجديدة رد فعل الشارع".
ووثّق التقرير حالات شهدت تأكيدات رسمية أعقبها نفي أو تراجع، وأخرى تتعلق بقرارات لم تُعلن بصورة واضحة، من بينها أنباء تعيين محمد الفيصل متحدثاً باسم الحكومة السورية المؤقتة، التي حصلت "تأكد" بشأنها على تأكيدات رسمية، قبل أن ينفي الفيصل تعيينه لاحقاً، إضافة إلى قضية إعادة تعيين ديالا بركات وزيرةً للثقافة، والتضارب بشأن إلغاء عقد استثمار مرفأ طرطوس مع شركة روسية.
كما تناول التقرير قرارات وإجراءات أثارت جدلاً عاماً قبل التراجع عن بعضها، بينها قرار فصل الرجال عن النساء في حافلات مبيت مشفى المواساة الجامعي، والإجراءات المتعلقة بتقسيم باحة المسجد الأموي في دمشق.
وسلّط التقرير الضوء على ما وصفه بنمط من تداول القرارات أو تسريبها بصورة غير رسمية، ثم التراجع عنها أو التنصل منها عند إثارتها اعتراضات، فيما بات يُعرف شعبياً بسياسة "جس النبض".
وتُظهر هذه الوقائع أن غياب قنوات واضحة ومنتظمة لنشر القرارات الحكومية لا يقتصر أثره على صعوبة وصول المواطنين إلى المعلومات، بل يضع المؤسسات الصحفية أمام روايات متضاربة، ويزيد احتمالات نشر معلومات غير دقيقة حتى عند التواصل المباشر مع الجهات الرسمية.
وتبرز هنا أهمية الشفافية الحكومية بوصفها شرطاً أساسياً لتعزيز الثقة العامة، من خلال الإعلان المنتظم عن القرارات، وإتاحة نصوصها وتواريخ صدورها ونفاذها، وتوضيح أسباب تعديلها أو التراجع عنها، بما يتيح للصحفيين والجمهور التحقق من المعلومات دون الاعتماد الحصري على تصريحات قد تتغير لاحقاً.
تؤكد المعايير المهنية في الصحافة وتدقيق المعلومات أهمية تقييم المصدر وفق اختصاصه، ومدى اطلاعه المباشر على الواقعة، وقابلية معلوماته للتحقق، وليس وفق صفته الرسمية وحدها.
وتدعو الشبكة الدولية لتقصي الحقائق (IFCN) إلى استخدام أفضل الأدلة الأولية المتاحة، وتقديم المصادر بصورة تسمح للجمهور بمراجعة نتائج التحقق، إلى جانب تقييم الأدلة المؤيدة للادعاء والمعارضة له وفق معايير متسقة.
بناءً على هذه المبادئ، ينبغي التمييز بين نقل تصريح رسمي بوصفه موقفاً صادراً عن مؤسسة، وبين اعتماد مضمونه حقيقةً مثبتة. عندما تعلن وزارة ما إصدار قرار جديد عبر قنواتها الرسمية، يمكن للصحفي نشر خبر الإعلان منسوباً إليها، مع مراجعة نص القرار وتاريخ نفاذه ونطاق تطبيقه متى كان ذلك ممكناً.
أما إذا نفت الوزارة وقوع حادثة أو وجود مخالفة أو صحة وثيقة متداولة، فلا يكفي هذا النفي وحده، في جميع الحالات، لتصنيف الادعاء بأنه كاذب، بل ينبغي البحث عن أدلة إضافية ومراجعة المعطيات المتاحة قبل إصدار حكم نهائي.
وتصبح الحاجة إلى التحقق المستقل أكثر إلحاحاً عندما تكون الجهة الرسمية طرفاً في القضية، أو عندما تتعارض إفادتها مع وثائق أو شهادات موثوقة، أو عندما يستند التصريح إلى مصدر غير معلن لا يمكن تقييم مدى اطلاعه المباشر على التفاصيل. وفي الحالات التي يتعذر فيها الوصول إلى أدلة كافية، يبقى توضيح حدود التحقق وعدم الجزم بصحة الادعاء أو بطلانه خياراً مهنياً أكثر دقة من إصدار تصنيف قاطع لا تسنده الأدلة المتاحة.
يرى الصحفي والخبير في تدقيق المعلومات أحمد بريمو أن الاعتماد على المصادر الرسمية والتسليم بصحة ما تقدمه من معلومات، دون إخضاعها للتحقق المستقل، قد يضع المؤسسات الإعلامية، ولا سيما المتخصصة في تدقيق الحقائق، أمام مخاطر مهنية تتجاوز مجرد نشر معلومة غير دقيقة، لتطال مصداقيتها وثقة الجمهور بها.

أحمد بريمو
مؤسس منصة "تأكد" ومديرها التنفيذي
صحفي سوري يمتلك خبرة صحفية تزيد على 16 عاماً، عمل خلالها مراسلاً ومحرراً صحفياً، وركز في عمله على تغطية النزاع السوري وتوثيق الانتهاكات والتحقق من المعلومات في بيئات النزاع. وهو مدرب في مجال التحقق من المعلومات ومكافحة التضليل الإعلامي، ومؤلف مشارك لكتاب "دليلك في أساليب التحقق من المعلومات ومكافحة التضليل في مناطق الصدام".
ويشير بريمو إلى أن المؤسسة الإعلامية تتحمل أمام جمهورها مسؤولية ما تنشره، حتى عندما تستند إلى مصدر حكومي مختص، فالمصدر الرسمي لا ينقل معها مسؤولية الخطأ، ولا يمنح المعلومات حصانة من التدقيق. وتصبح هذه المسؤولية مضاعفة لدى مؤسسات تدقيق الحقائق التي تقوم طبيعة عملها على تقييم دقة المعلومات المنشورة وتصحيحها.
ويضيف أن معظم المؤسسات الإعلامية التي وقعت في الأخطاء المشار إليها، أو تعرضت لها نتيجة معلومات غير دقيقة قدمتها جهات رسمية، بادرت إلى مراجعة موادها وتصحيحها أو التراجع عنها، التزاماً بما تقتضيه المعايير المهنية، غير أن هذه الإجراءات، على أهميتها، لا تضمن استعادة ثقة جميع المتابعين، خصوصاً في بيئة إعلامية شديدة الاستقطاب، ينقسم فيها الجمهور على أسس سياسية ومواقف مسبقة.
ويوضح أن جزءاً من الجمهور قد يتعامل مع الخطأ باعتباره دليلاً على انحياز المؤسسة أو افتقارها إلى المهنية، حتى بعد تصحيحه والاعتذار عنه، بينما قد يتجاهل التوضيحات اللاحقة أو لا تصل إليه أصلاً.
ويرى أن خطورة هذه الأخطاء لا تقتصر على المادة المنشورة، بل قد تمتد إلى السمعة المهنية التي بنتها المؤسسة على مدى سنوات، مشيراً إلى أن تصحيح الخطأ، رغم كونه واجباً مهنياً، قد لا يكون كافياً وحده لمعالجة آثاره على ثقة الجمهور.
وفي المقابل، يعتبر بريمو أن الشفافية الحكومية يمكن أن تشكل حصناً لحماية مصداقية المؤسسات العامة والإعلامية معاً، من خلال إتاحة الوثائق والقرارات والسجلات ذات الصلة، وتقديم إجابات واضحة وقابلة للتحقق، بدلاً من الاكتفاء بتأكيدات أو نفي صادر عن مصادر غير معلنة.
ويؤكد أن اعتراف الجهات الحكومية بأخطائها وتصحيح معلوماتها بصورة علنية، وتوضيح أسباب التناقض في تصريحاتها، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه انتقاصاً من هيبتها، بل ممارسة تعزز الثقة بها وتحد من انتشار الشائعات.
فكلما كانت المعلومات الحكومية أكثر شفافية وقابلية للفحص، تقلصت احتمالات وقوع المؤسسات الإعلامية في أخطاء ناجمة عن معلومات رسمية غير دقيقة، وأصبح بإمكان الصحفيين والجمهور مراجعة الوقائع بصورة مستقلة.
ويخلص بريمو إلى أن الثقة بالمصادر الرسمية يجب أن تُبنى على سجل من الدقة والشفافية وقابلية المساءلة، لا على الصفة الوظيفية وحدها، مشدداً على أن استقلالية التحقق لا تعني التشكيك المسبق في المؤسسات الحكومية، وإنما حماية حق الجمهور في الحصول على معلومات موثوقة.
دفعت التجارب التي واجهتها منصة "تأكد" في التعامل مع تصريحات جهات حكومية إلى مراجعة نهجها التحريري في الاعتماد على المصادر الرسمية، وعدم الاكتفاء بالتأكيد أو النفي الصادر عنها بوصفه دليلاً حاسماً على صحة المعلومات أو بطلانها.
ولا يعني هذا التوجه استبعاد المصادر الحكومية أو التقليل من أهميتها، بل التعامل معها بوصفها جزءاً من عملية التحقق، يمكن أن يدعم نتائجها أو يثير أسئلة إضافية تستدعي البحث، لأن المصدر الرسمي قد يكون الأقدر على توضيح موقف مؤسسته، لكنه ليس بالضرورة المصدر الوحيد القادر على إثبات الوقائع، خصوصاً عندما تتوافر وثائق أو أدلة مستقلة يمكن فحصها ومقارنتها بمضمون التصريحات.
التصريح الرسمي يثبت أن جهة ما قالت شيئاً، لكنه لا يثبت بالضرورة أن ما قالته صحيح.أحمد بريمو | مدير منصة "تأكد"
وتُظهر الوقائع السابقة أن تصحيح الأخطاء لا يقل أهمية عن تجنبها، وأن الشفافية بشأن حدود التحقق والأدلة المتاحة تمثل جزءاً أساسياً من مسؤولية المؤسسات الصحفية تجاه جمهورها.
وفي المحصلة، لا يتعلق السؤال المهني بما إذا كانت المصادر الرسمية تستحق الثقة أو لا تستحقها على نحو مطلق، بل بنوع المعلومات التي تقدمها، ومدى اختصاصها بها، والأدلة التي تسندها، وإمكانية التحقق منها بصورة مستقلة.