امتدت أصوات الانفجارات قرب العيس جنوبي حلب لنحو ساعة فجر 21 أيلول/سبتمبر 2026، فيما غادرت عائلات منازلها وأُغلقت الطرق المؤدية إلى المنطقة، وتناثرت ذخائر غير منفجرة حول الموقع. سبق ذلك بثلاثة أيام انفجار في عياش غربي دير الزور قتل 11 عسكرياً، وقبله انفجار مخزن مؤقت في سرمدا أودى بحياة 14 من عناصر وزارة الدفاع، بينما شهدت الضمير بينهما انفجار ذخائر قالت السلطات إنها كانت تالفة ومعدة للإبطال.
ضغط أيلول خلال أقل من أسبوعين مشهداً ظل موزعاً على مناطق سورية مختلفة طوال عام. جمعت "تأكد" في قاعدة بيانات خاصة عشرة حوادث أساسية مرتبطة بانفجارات مخازن ومواقع للأسلحة والذخائر، خلفت 41 قتيلاً و82 مصاباً وفق آخر الحصائل التي أمكن توثيقها، إلى جانب وقائع أخرى مرتبطة بالنقل أو التعامل مع المتفجرات أبقتها خارج العينة الأساسية لاختلاف طبيعتها.
تكشف البيانات مسارين متداخلين. يرتبط الأول بترسانة من الذخائر القديمة ومخلفات الحرب يجري جمعها ونقلها وتخزينها أو إبطالها، بينما يظهر الثاني في الحوادث التي بقي سببها مجهولاً، ورافقتها روايات عن تخريب أو استهداف خارجي. وبين المسارين برز أيلول كدراسة حالة مكثفة، بعدما شهد أربعة انفجارات خلال 13 يوماً، فيما بقيت نتائج التحقيقات في أبرزها بعيدة عن العلن.
بدأ الشهر بانفجار سيارة محملة بالذخيرة في بنش خلال ساعات النهار في الأول من أيلول، وانتهت حصيلته بخمسة قتلى. لم تُدخل "تأكد" الحادث ضمن عينة المستودعات لأنه وقع أثناء نقل الذخيرة، لكن موقعه في بداية الشهر يجعله جزءاً من السياق الذي ستظهر فيه لاحقاً مراحل أخرى من التعامل مع السلاح.
بعد ثمانية أيام انفجر مخزن قرب سرمدا شمالي إدلب. ارتفعت الحصيلة خلال الساعات التالية حتى بلغت 14 قتيلاً و11 مصاباً، فيما قالت وزارة الدفاع عبر وكالة "سانا" إن المكان كان مخزناً مؤقتاً تجمع فيه الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها.
يحمل هذا الوصف دلالة تتجاوز موقع الحادث نفسه. فالذخائر لم تكن محفوظة في مستودع مستقر فقط، بل كانت ضمن عملية جمع ونقل، وهي مرحلة ستتكرر في أكثر من واقعة داخل قاعدة البيانات. أعلنت الوزارة تحمل المسؤولية عن حادث سرمدا وفتح تحقيق، لكنها لم تحدد ما الذي أطلق الانفجار، ما أبقى الفرق قائماً بين معرفة طبيعة المخزون ومعرفة سبب اشتعاله.
بعد ثلاثة أيام جاء انفجار الضمير فجراً ليقدم صورة أكثر وضوحاً. نقلت "سانا" عن مصدر أمني أن ذخائر تالفة جرى نقلها إلى مستودع ناءٍ تمهيداً لإبطالها قبل أن تنفجر من دون ضحايا. لم يحدد المصدر الشرارة التي أدت إلى الانفجار، لكنه ربط الحادث مباشرة بحالة الذخائر والغرض من وجودها في الموقع.
هذا الوضوح اختفى مجدداً في عياش. وقع الانفجار مساء 18 أيلول داخل موقع للجيش غربي دير الزور، ثم ارتفعت الحصيلة إلى 11 عسكرياً قتيلاً وتسعة مصابين. أعلنت وزارة الدفاع التحقيق في الأسباب، من دون وصف حالة الذخائر أو تقديم تفسير أولي يشبه ما أعلنته في الضمير.
وبعد ثلاثة أيام، جاءت العيس لتوسع السؤال من حادث منفرد إلى سلسلة. بدأت الانفجارات فجراً داخل مستودع للذخيرة واستمرت قرابة ساعة وفق رويترز، وأسفرت عن أربع إصابات وإجلاء عائلات مع انتشار مقذوفات وذخائر حول الموقع.
عقب ذلك أعلنت وزارة الدفاع أنها تحقق في الانفجارات التي شهدتها "بعض المواقع العسكرية"، وربطت نتائج التحقيق بتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الحوادث. وبذلك أصبح ما حدث في سرمدا وعياش والعيس، رسمياً على الأقل، جزءاً من ملف أوسع يحتاج إلى تفسير.
تعود أهمية حوادث العام السابق إلى أنها تمنع التعامل مع أيلول بوصفه ظاهرة بدأت فجأة. فسبقت الشهر وقائع ارتبطت بوضوح بذخائر قديمة أو مخلفات حرب ومواقع تستخدم لجمعها.
وقع انفجار جوسية أثناء التعامل مع ذخيرة قديمة. وفي العباسية أصيب 31 شخصاً قرابة الظهيرة في حادث ربطه مصدر أمني وشاهد تحدثا إلى رويترز بصاروخ قديم داخل ثكنة مهجورة. وفي مساء اليوم نفسه انهار منزل في الأتارب بعد انفجار مواد جُمعت داخله من ألغام وذخائر ومخلفات حرب.
بعد ذلك جاء مجمع الغزالي بدرعا، حيث قالت "سانا" إن الموقع كان يضم مخلفات جرى تفكيكها وجمعها من مناطق مختلفة. ويكتمل هذا المسار بحوادث وقعت أثناء النقل نفسه في الهبيط وبنش.
تجمع هذه الحالات مراحل متعددة من العملية ذاتها. تخرج الذخائر من مواقعها القديمة، تُجمع، تُفكك أحياناً، تُنقل، ثم توضع في مخازن مؤقتة أو مواقع مخصصة قبل التخلص منها. لذلك يظهر الخطر في قاعدة البيانات على طول هذه السلسلة، وليس داخل المستودع فقط.
يمنح ذلك تفسيراً مهماً لبيئة الحوادث، لكنه لا يكفي لتفسير أسبابها جميعاً. فالقول إن موقعاً يحتوي على مخلفات حرب يوضح طبيعة المواد الموجودة فيه، لكنه لا يحدد تلقائياً ما الذي أدى إلى انفجارها. ويصبح هذا الفرق أكثر أهمية في سرمدا، حيث نعرف وظيفة المخزن من دون معرفة سبب الحادث، وفي عياش والعيس حيث تقل المعلومات الرسمية أكثر.
وتنسجم الصورة العامة مع رصد أوسع أجرته رويترز، إذ أحصت ما لا يقل عن 16 انفجاراً في منشآت لتخزين السلاح منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، مع أسباب معلنة شملت الحرائق وسوء التخزين وتدهور الذخائر، مقابل حوادث ظلت بلا تفسير علني.
تضع البيانات حالة الذخائر وطريقة التعامل معها في مقدمة التفسيرات الممكنة. تدعم الضمير هذا المسار مباشرة بعدما وصفت السلطات الذخائر بأنها تالفة، بينما يرتبط انفجار العباسية بصاروخ قديم، وتظهر مخلفات الحرب في الغزالي والأتارب وسرمدا.
يتوسع هذا التفسير عند النظر إلى النقل والتخزين كحلقة واحدة. فانفجرت مواد أثناء النقل في الهبيط وبنش، وجُمعت أخرى مؤقتاً في سرمدا، بينما نُقلت ذخائر الضمير إلى موقع جديد قبل إبطالها. وتكشف هذه الوقائع عن بيئة تتعامل مع ذخائر متفاوتة المصدر والحالة، أكثر مما تكشف عن خلل واحد يمكن تعميمه على جميع المواقع.
في المقابل، يدفع غياب السبب المعلن في عياش والعيس باتجاه تفسيرات أخرى. اكتسب احتمال التخريب وزناً في النقاش بسبب قرب التوقيت بين الحوادث، لا بسبب دليل معلن على عملية تخريب. لم تنشر وزارة الدفاع معلومات عن اختراق أمني أو عبوة أو جهة نفذت سلسلة عمليات، ولذلك يظل هذا السيناريو احتمالاً مرتبطاً بالفجوة في المعلومات أكثر من ارتباطه بدليل منشور.
يدخل الاستهداف الإسرائيلي من السياق نفسه. نفذت إسرائيل ضربات متكررة على مواقع عسكرية سورية، واستهدفت قبل أسابيع من حوادث أيلول قاعدة أبو الظهور الجوية في ثماني غارات طالت، بحسب رويترز، منشآت تخزين داخل القاعدة.
تجعل هذه السابقة فرضية الاستهداف الخارجي معقولة عند البحث في حادث مجهول السبب، لكنها لا تربط إسرائيل تلقائياً بسرمدا أو عياش أو العيس. لم تعلن الجهات السورية تعرض هذه المواقع لغارات إسرائيلية، ولم تظهر نتيجة تحقيق تثبت ذلك، فيما يقدم انفجار الضمير داخل الشهر نفسه مثالاً على حادث حمل تفسيراً مختلفاً يرتبط بالذخائر التالفة.
ولهذا تبدو قراءة أيلول بوصفه تجمعاً لحوادث قد تختلف أسبابها أكثر اتساقاً مع البيانات المتاحة من محاولة وضعها كلها داخل رواية واحدة. يجمع بينها وجود السلاح والذخيرة وتقارب التوقيت، لكن الرابط السببي بينها لم يثبت.
تتحول نتائج التحقيقات الرسمية هنا إلى جزء من تفسير المشهد نفسه. أعلنت وزارة الدفاع التحقيق بعد سرمدا وعياش، ثم جمعت بعد العيس الحديث عن انفجارات عدة مواقع عسكرية وأشارت إلى تحديد المسؤوليات واتخاذ إجراءات لمنع تكرارها.
مع ذلك، بقيت أسباب أبرز حوادث أيلول خارج البيانات الرسمية المنشورة حتى نهاية فترة الرصد. عُرفت طبيعة موقع سرمدا وحصيلة عياش وما حدث حول العيس، لكن لم تظهر خلاصات توضح سبب الانفجار الأول في كل منها أو تحدد ما إذا كانت بينها صلة.
يمنح هذا الغياب الروايات المتنافسة عمراً أطول. فالتخزين السيئ يظل ممكناً ما دامت النتائج لا تستبعده، والتخريب يبقى مطروحاً للسبب نفسه، كما يستمر الاستهداف الخارجي في التداول مستنداً إلى سياق الضربات الإسرائيلية السابقة أكثر من استناده إلى دليل خاص بالحوادث نفسها.
وتتجاوز أهمية النتائج مسألة كشف تفاصيل عسكرية حساسة. فقد امتدت آثار بعض الانفجارات إلى المدنيين والمناطق السكنية، من عشرات المصابين في العباسية إلى إخلاء عائلات في العيس وانتشار ذخائر غير منفجرة حول الموقع. لذلك يرتبط إعلان السبب العام للحادث بالسلامة العامة والمسؤولية بقدر ارتباطه بالشأن العسكري.
بين فرضيات التلف وسوء التخزين، وشبهات الاختراق والاستهداف، تكشف بيانات العام أن انفجارات أيلول لم تكن طفرة مفاجئة، بل ذروة لمسار ممتد من التعامل الهش مع السلاح. وفي ملف تتطاير شظاياه نحو الأحياء السكنية ويدفع المدنيون كلفته، لا يعود كشف أسباب الانفجارات ترفاً إخبارياً، بل استحقاقاً للسلامة العامة؛ استحقاق يظل مؤجلاً ما دامت التحقيقات الرسمية تُعلن في البيانات، وتغيب عن العلن.