أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية بدء عمل خدمات "جيميناي" من "غوغل" مباشرة داخل سوريا، من دون الحاجة إلى برامج تجاوز الحجب "VPN"، بعد سنوات من القيود التي حدّت من الوصول إلى خدمات ومنصات دولية، بحسب بيان الوزارة.
وتتيح هذه الخطوة للمستخدمين الاستفادة من الأداة في الدراسة والعمل والترجمة والبحث عن المعلومات. فيستطيع الطالب طلب شرح فكرة لم يفهمها، والصحفي تنظيم معلومات جمعها، وأي مستخدم الاستعانة بها لفهم موضوع أو البحث عن إجابة لسؤال يواجهه. وتسمح طبيعة المحادثة بطلب التوضيح ومناقشة الإجابة وتعديل السؤال حتى تبدو النتيجة أقرب إلى ما يحتاجه المستخدم.
لكن هذه السهولة تفتح سؤالاً آخر: متى تكون الإجابة مفيدة، ومتى تتحول سهولة الحصول عليها إلى ثقة لا تدعمها الأدلة؟ فالنص المرتب والمليء بالأسماء والتواريخ والتفسيرات قد يبدو موثوقاً حتى عندما يحتوي على معلومات خاطئة أو قديمة أو غير مثبتة.
نستدل عادة من وضوح الشرح وتماسكه على معرفة المتحدث بموضوعه، وقد نطبق التقدير نفسه على أدوات الذكاء الاصطناعي. فكلما أجابت الأداة بسرعة، وتابعت أسئلتنا، وقدمت تفسيراً مفصلاً، ازداد الانطباع بأنها تعرف ما تتحدث عنه.
لكن الأبحاث تشير إلى أن جودة الشرح الظاهر لا تساعد دائماً على اكتشاف الخطأ. فارتفعت ثقة المستخدمين في بعض التجارب عندما حصلوا على تفسيرات أطول، من دون أن تتحسن بالقدر نفسه قدرتهم على التمييز بين الإجابات الصحيحة والخاطئة. كما أن مطالبة الأداة بشرح سبب إجابة ما لا تحسم المشكلة، لأنها تستطيع بناء تفسير متماسك حتى حول معلومة خاطئة.
لنفترض مثلاً أنك سألت عن سبب صدور قرار سوري، فأجابت الأداة بأن القرار جاء لأسباب اقتصادية أو إدارية وشرحتها بطريقة مقنعة. يبقى ذلك تفسيراً محتملاً ما لم يستند إلى تصريح أو وثيقة توضح أسباب القرار، فالانتقال من جواب يبدو معقولاً إلى معلومة يمكن الاعتماد عليها يحتاج إلى دليل خارج المحادثة.
تنتج النماذج اللغوية إجاباتها اعتماداً على الأنماط التي تعلمتها وعلى السياق المتاح لها. وتستطيع بعض الأدوات البحث في الإنترنت أو التعامل مع وثائق يرفعها المستخدم، لكن ذلك لا يعني أن كل جملة في الإجابة خضعت لعملية تحقق مستقلة.
ويظهر أحد أكثر الأخطاء وضوحاً عندما تعوض الأداة نقص المعلومات بتفاصيل تبدو منطقية، مثل اسم دراسة أو تاريخ أو مرجع غير موجود. وتُعرف هذه الظاهرة عادة باسم "الهلوسة". لكن الأخطاء لا تقتصر على الاختلاق الكامل؛ فقد تستخدم الأداة معلومة قديمة بوصفها حديثة، أو تخلط بين شخصين، أو تنسب إلى مصدر نتيجة لم يقلها.
ويزداد اكتشاف هذه الأخطاء صعوبة عندما تأتي وسط معلومات صحيحة. فإذا عرفت أن ثلاثة تفاصيل في الإجابة دقيقة، قد تميل إلى الوثوق بالتفصيل الرابع من دون فحصه.
ولهذا لا توجد نسبة واحدة تصلح لوصف دقة "الذكاء الاصطناعي" عموماً. فقد رصد تقييم لإجابات أدوات ذكاء اصطناعي عن الأخبار مشكلات جوهرية في نسبة معتبرة من الإجابات، شملت الدقة والإسناد إلى المصادر والتمييز بين الرأي والحقيقة. وفي المقابل، يمكن أن تحقق النماذج نتائج مرتفعة جداً في اختبارات أخرى.
ولا يعني تحقيق نموذج دقة مرتفعة في البرمجة أو الحساب أن النسبة نفسها تنطبق على الأخبار أو القوانين أو المعلومات المحلية. لذلك لا تسأل فقط: "كم تبلغ دقة هذه الأداة؟"، بل اسأل أيضاً: "دقتها في أي مهمة، وبأي لغة، وبأي إصدار، وفي أي اختبار؟".
وثقت منصة "تأكد" حالة أظهرت كيف يستطيع الذكاء الاصطناعي نقل فيديو حقيقي إلى سياق خاطئ تماماً، فقد نسب "غروك" مقطعاً يظهر شباناً يُجبرون على القفز من شرفة منزل خلال أحداث السويداء في تموز/ يوليو 2025 إلى حلب عام 2012، ثم ربط المقطع نفسه في إجابة أخرى بجنود إسرائيليين يلقون جثث فلسطينيين من مبنى.
في المقابل، حدد تحقيق "تأكد" موقع الحادثة في السويداء بالاستناد إلى شهادات محلية ومطابقة المعالم العمرانية مع صور الأقمار الصناعية، ووثق هوية الضحايا.
وفي حالة أخرى، زُوّد "غروك" بفيديو لتجمع في إدلب عقب هجوم على حفل زفاف في 7 آب/ أغسطس 2025، فربطه بهجوم على احتفال بسقوط نظام الأسد.
وتوضح هذه الحالات مشكلة مهمة، فلا يكفي أن يكون الفيديو حقيقياً حتى تكون الرواية المرفقة به صحيحة، وسلامة التسجيل من التلاعب لا تثبت مكان التصوير أو تاريخه أو هوية الأشخاص أو المناسبة التي يظهرها، إذ يحتاج كل واحد من هذه الادعاءات إلى دليل منفصل.
ولا تقتصر المشكلة على الأخبار والصور، فإذا سألت أداة عن الوثائق المطلوبة للحصول على جواز سفر مثلاً، فقد تقدم قائمة صحيحة لفترة النظام المخلوع أو لفئة مختلفة من السوريين. تبدو المعلومات معقولة، لكنها لا تجيب بالضرورة عن حالتك الحالية.
ابدأ بتفكيك الإجابة إلى ادعاءات يمكن فحصها بصورة منفصلة؛ فإذا سألت عن معاملة حكومية، تحقق من الرسوم والوثائق ومدة الإنجاز كل منها على حدة. وإذا تعلقت الإجابة بخبر، راجع اسم المسؤول وصفته وتاريخ الواقعة والأرقام الواردة فيه، فصحة أحد التفاصيل لا تجعل بقية الإجابة صحيحة تلقائياً.
ثم انتقل من الإجابة إلى المصدر؛ فإذا ذكرت الأداة مرسوماً، ابحث عن نصه ورقمه وتاريخه، لا عن الصفحات التي تداولته فقط. وإذا استشهدت بدراسة، راجع ما توصلت إليه فعلاً، بدلاً من الاكتفاء بعنوانها.
ولا تعتبر وجود رابط بجانب الإجابة دليلاً كافياً. فتوضح "غوغل" أن الروابط المصاحبة لبعض إجابات "جيميناي" قد ترتبط بأجزاء من النص أو بمحتوى ذي صلة به. لذلك افتح الرابط، وحدد الادعاء الذي تريد التحقق منه، ثم قارن بين ما كتبته الأداة وما يقوله المصدر فعلاً.
وتحقق من الزمن أيضاً؛ فقد يثبت خبر رسمي أن شخصاً عُيّن في منصب في تاريخ معين، لكنه لا يثبت أنه ما يزال يشغله اليوم. كما يمكن أن تصبح معلومة صحيحة عند نشرها قديمة بعد ساعات في حدث سريع التطور، لذلك راجع تاريخ المصدر وآخر تحديث له وابحث عن أي تطورات لاحقة.
ولا تخلط بين كثرة المواقع وكثرة الأدلة؛ فقد تنقل عدة مواقع خبراً واحداً عن منشور أو وكالة واحدة، فتبدو المعلومة وكأن مصادر متعددة أكدتها، بينما تعود جميعها إلى أصل واحد. ولا يوفر سؤال أداة ذكاء اصطناعي ثانية تحققاً مستقلاً؛ فاتفاق أداتين على إجابة لا يجعلها حقيقة.
أما الصور والفيديوهات، فتحتاج إلى أدوات تناسبها. استخدم البحث العكسي، وتتبع النسخ الأقدم، وقارن المباني والطرق واللافتات والمعالم الظاهرة بمصادر مستقلة. ولا تعتمد على وصف الأداة للمشهد وحده، إذ يمكن أن تخطئ في التعرف إلى التفاصيل أو تفسيرها.
وتوقف أخيراً عند الحد الذي تسمح به الأدلة؛ فإذا وجدت نسخة من فيديو منشورة قبل الحدث الذي يُزعم أنه يوثقه، تستطيع القول إنه لا يعود إلى ذلك الحدث، لكن ذلك لا يثبت تلقائياً أين صُوّر أو متى سُجل للمرة الأولى. فالتحقق لا يعني استبدال رواية خاطئة برواية مكتملة، بل معرفة أين تنتهي الأدلة وأين يبدأ المجهول.
وتصبح هذه الحدود أقل وضوحاً عندما ينتقل الحوار من الأخبار والمعلومات إلى مسائل شخصية لا توجد وثيقة يمكن الرجوع إليها لحسمها.
فهنا لا يعود السؤال فقط "هل هذه المعلومة صحيحة؟"، بل "ما الذي تعرفه الأداة فعلاً عن الموقف الذي أصفه لها؟". ومع الاعتياد على الحصول منها على إجابات سريعة ومنظمة، قد يبدأ المستخدم بالرجوع إليها في الخلافات الشخصية أو القرارات اليومية أو طلب الطمأنة.
ويسهم أسلوب المحادثة في تعزيز هذا الشعور، فالأداة تتابع سياق الحديث، وترد على التفاصيل التي يقدمها المستخدم، وتستخدم لغة مألوفة، ما قد يمنح الحوار شعوراً بالقرب والاهتمام. وتشير أبحاث إلى أن البشر يستجيبون اجتماعياً للأنظمة التي تستخدم إشارات تشبه التواصل البشري، حتى عندما يعرفون أنها برامج.
وقد تكون هذه المساحة مفيدة لترتيب الأفكار أو الاستعداد لمحادثة صعبة، لكن الراحة في الحديث لا تعني أن الأداة تعرف الموقف كاملاً. فإذا وصفت لها خلافاً مع صديق، فإنها لا تعرف سوى ما اخترت إخبارها به، ولا تسمع الطرف الآخر ولا تستطيع التحقق من النوايا أو التفاصيل الغائبة.
لذلك استخدمها للمساعدة على التفكير أو صياغة الأسئلة أو ترتيب الخيارات، لا باعتبار تفسيرها حكماً مستقلاً على الآخرين. وراقب أثر استخدامها عليك أيضاً: هل تساعدك المحادثة على الانتقال إلى خطوة عملية، أم تعيدك إلى السؤال نفسه طلباً للطمأنة؟ وهل تساعدك على اتخاذ قرار، أم أصبحت تنتظر موافقتها قبل كل قرار؟
ولا تشكل هذه الأسئلة تشخيصاً نفسياً، لكنها تذكّر بقاعدة واحدة: يجب أن تبقى الأداة وسيلة مساعدة، لا المرجع الوحيد للمعلومات والقرارات والدعم الشخصي.
من الأفضل أن تحدد المهمة قبل بدء المحادثة، وما إذا كنت تريد شرح مفهوم، أم تنظيم معلومات، أم اقتراح كلمات بحث… وإذا كنت تستخدم الأداة للتعلم، فاختبر فهمك بدلاً من الاكتفاء بقراءة إجابة تبدو واضحة. جرّب حل مثال جديد، أو اكتب جوابك ثم اطلب نقده.
وانتبه أيضاً إلى صيغة السؤال نفسه، فسؤال "لماذا ألغت الجهة هذه الخدمة؟" يفترض وقوع الإلغاء قبل التحقق منه. ابدأ بدلاً من ذلك بـ"هل صدر إعلان بإلغاء الخدمة؟ وما مصدره؟". ويمكن أن تطلب من الأداة الفصل بين الحقائق والاستنتاجات وما لم يُحسم، مع تذكر أن الصياغة الجيدة تقلل بعض الأخطاء لكنها لا تمنعها.
واحفظ خصوصية ما تشاركه، فلا ترفع وثيقة كاملة إذا كنت تحتاج إلى جزء صغير منها، واحذف الأسماء وأرقام الهوية وبيانات الاتصال غير اللازمة، وتجنب مشاركة المواد السرية أو الحساسة لمجرد أن أسلوب المحادثة يبدو ودياً.
وفي النهاية، لا تقِس فائدة الذكاء الاصطناعي بعدد الإجابات التي يوفرها، بل بما يساعدك على فهمه والتحقق منه. فأفضل استخدام لا ينتهي بنص جاهز تصدقه، بل بمعلومة تعرف مصدرها وحدودها، وتستطيع أن تشرح لماذا اعتمدت عليها.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر طريق البحث، لكنه لا يلغي الحاجة إلى المصدر. ويستطيع أن يساعدك على التفكير، لكنه لا ينتزع منك مسؤولية ما تصدقه وما تنشره وما تعمل به.