تزامن إعلان التوصل لاتفاق ينهي النزاع بين الحكومة السورية و"قسد" بدمج الأخيرة ضمن فرقة عسكرية وثلاثة ألوية، مع توجيه الأنظار نحو استمرار حركة "جوانن شورشكر" (الشبيبة الثورية) في تجنيد القاصرين لتزويد المنظومة بالقوة البشرية.
فنعي "قسد" الصادر في 29 كانون الثاني/يناير 2026 لأربعة يافعين في صفوفها، يفضح دور "الشبيبة" باستمرار مسؤوليتها عن هندسة عمليات الاستدراج وغسيل الأدمغة؛ وهو ما يضع استحقاق الدمج الوطني أمام اختبار حقيقي لإنهاء ظاهرة "عسكرة الطفولة".
قاصرون نعتهم قسد
"جوانن شورشكر".. البنية التنظيمية وآليات التجنيد الممنهج
تُعد حركة "الشبيبة الثورية" (جوانن شورشكر) الذراع الأيديولوجي والتنفيذي الأكثر راديكالية المرتبط بـ "قسد" والتابع لمركزية قرار "حزب العمال الكردستاني" كما وثق تقرير الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر لعام 2024.
تستهدف الحركة اليافعين من الجنسين بدءاً من سن 12 عاماً عبر منهجية تُعرف ب"الاستدراج الناعم"؛ حيث يتم التقرب من الأطفال في المدارس والملاعب الرياضية وإغراؤهم بالالتحاق بدورات تعليمية وثقافية أو ورشات إعلامية في أكاديميات خاصة.
وفي محاولة لتوفير غطاء شرعي لهذه الأنشطة، تُسوّق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الحركة دولياً بوصفها "منظمة مدنية" مستقلة، وتُدرجها إدارياً تحت مظلة "هيئة الرياضة والشباب" التابعة لمجلس سوريا الديمقراطية (مسد)؛ إلا أن هذه المواقع تتحول لاحقاً إلى محاضن للتعبئة الأيديولوجية القسرية، تمهيداً لنقل الضحايا إلى معسكرات التدريب العسكري في جبال قنديل شمالي العراق.
وتعكس البيانات الحقوقية حجم المأساة المستمرة؛ إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قرابة 623 حالة تجنيد لأطفال على يد "قسد" والمنظمات الرديفة لها منذ عام 2011 حتى عام 2023، وما يزال نحو 296 طفلاً منهم مجهولي المصير تماماً داخل معسكرات مغلقة، مقطوعين عن أي تواصل مع ذويهم.
احصائية من الشبكة السورية لحقوق الانسان لعام 2023 حول تجنيد الاطفال من اطراف الصراع
حيث تستغل المنظومة وجود "مكاتب حماية الطفل" التابعة للإدارة الذاتية كواجهة قانونية ودبلوماسية لتصدير صورة الالتزام بالمعايير الدولية أمام الأمم المتحدة، إلا أن الواقع الميداني يثبت أن هذه المكاتب تفتقر لأي صلاحيات حقيقية للرقابة على معسكرات "الشبيبة الثورية" أو التدقيق في سجلاتها.
صناعة "الهفال"
سحر الرتب الوهمية التي تمنح للطفل بوصفه "هفال" (رفيق)، وهو لقب يُسوق كشرف قومي يرفع من مكانة المراهق.
أما على المستوى الإعلامي، تستخدم الحركة منصات تابعة للإدارة الذاتية للترويج لخطاب عسكري يربط اليافعين برموز وشخصيات عابرة للحدود مثل "عبد الله أوجلان".
وتُظهر بيانات النعي والفعاليات التي تنظمها الحركة (مثل استذكار "تشيا رزكار" و"روناهي أمانوس") استغلالاً ممنهجاً لصور القتلى القاصرين لتحفيز عمليات تجنيد جديدة.
أكد تقرير بعثة تقصي الحقائق الدنماركية الصادر في حزيران/يونيو 2024 أن حركة "الشبيبة الثورية" تستهدف اليافعين في شمال شرق سوريا بدءاً من سن 13 عاماً، مستغلةً هشاشة الأوضاع الاقتصادية والنزاعات الأسرية لاستدراجهم وتجنيدهم.
وأوضح التقرير أن العملية تعتمد على تعبئة أيديولوجية تهدف بوضوح إلى قطع صلة الأطفال بعائلاتهم وإحلال الولاء للمنظمة مكانه، مع تركيز خاص على تجنيد القاصرين في مخيمات النازحين وبين الفئات التي تفتقد للحماية الاجتماعية.
كما أشار إلى تورط الحركة في نقل هؤلاء المجندين إلى معسكرات تابعة لحزب العمال الكردستاني في مناطق جبلية خارج الحدود السورية، مثل قنديل وسنجار، ما يحول هذه الكوادر الشابة إلى أداة قتالية ضمن صراعات أيديولوجية ممتدة.
وتعتمد المعسكرات سياسة "العزل التام" عبر دورات فكرية مغلقة لمدة 30 يوماً كحد أدنى، يُشرف عليها متخصصون لزرع أفكار المنظومة في وعي القاصرين بحسب أوسمان حسو الخبير في الشؤون الكردية.
تبدأ العملية باستغلال اضطراباتهم النفسية واستدراجهم بالمغريات، ثم تنتهي بفرض واقع العزلة والتهديد بالسجن أو القتل، لضمان إعادة صياغة وعي الطفل بالكامل وجعله مقتنعاً باستحالة العودة.
"المانيفستو" المعلن.. الشبيبة الثورية في مرآة أدبياتها
تُقدم الأعداد الرسمية لمجلة "جوانن شورشكر" تعريفاً ذاتياً للحركة يتجاوز الأنشطة الشبابية التقليدية، حيث يبرز العدد 11 (تموز 2022) الارتباط العضوي بمركزية "حزب العمال الكردستاني" عبر باب ثابت بعنوان "القائد أبو" مخصص لنصوص عبد الله أوجلان، وتقديم رموز مثل "علي جيجك" بوصفهم "سمبلاً للشبيبة" تحت شعار "بإرادة وشبيبة علي جيجك سنضمن نصر الثورة".
غلاف مجلة الشبيبة الثورية لعام 2022 رقم 11
هذا الخطاب يترافق مع قسم "تاريخ الخيانة" الذي يهاجم بشكل مباشر الحزب الديمقراطي الكردستاني "PDK"، مما يضع الشبيبة في مواجهة أيديولوجية مباشرة مع القوى السياسية الأخرى في المنطقة وصياغة وعيهم بناءً على صراع "الولاء والخيانة" كما يراه الحزب.
فتبرز مهام الحركة في استهداف مكاتب المجلس الوطني الكردي والأحزاب المنضوية تحته، حيث تم توثيق عشرات الحالات التي قامت فيها مجموعات تابعة ل "جوانن شورشكر" بمداهمة هذه المكاتب في القامشلي وعامودا والدرباسية وغيرها، وقامت بتخريب محتوياتها وإضرام النار فيها بالكامل باستخدام زجاجات "المولوتوف".
تخوين الحزب الديمقراطي الكردستاني في مجلة الشبيبة الثورية العدد 11 لعام 2022
وفيما يخص التوجه العسكري، ينتقل العدد 12 (آب 2022) لتكريس عقيدة "حرب الجبال"، حيث تفتتح المجلة صفحاتها بالحديث عن "روح الرصاصة الأولى" وميراث القيادي "عكيد"، معتبرة أن "الحرب التي لا مثيل لها في جبال كردستان تبني يومياً الآلاف على خط الشهداء".
وتدعو النصوص المنشورة، مثل "بروح نصر 15 آب تعالوا إلى خندق الحرية"، شبيبة كرد سوريا للتمثل بتلك الروح القتالية وربط نضالهم اليومي بالمهام العسكرية في الجبال، مما يجعل من المنظومة الفكرية للحركة جسراً يربط بين المراكز الحضرية في شمال شرق سوريا وجبهات القتال البعيدة في العراق وتركيا.
علاوة على المسارات الرسمية، تبرز طبيعة المنطقة الجبلية ووعورة الحدود كعامل مساعد لتأمين خطوط تهريب سرية يُشرف عليها خبراء في الطرق الوعرة.
مجلة الشبيبة الثورية لعام 2022 العدد 12
أما المنهج التنفيذي، فيفصله العدد 14 (تشرين الأول 2022) عبر شرح "دور الكومين في حرب الشعب الثورية"، وهو المفهوم الذي يُحول التنظيمات المجتمعية إلى أدوات تعبئة ميدانية.
مجلة الشبيبة الثورية لعام 2022 العدد 12 حول دور الكومين
وتبرز في هذا العدد صور وقصص "شهداء" مثل "باور أكر" و"ركن" و"سارة"، حيث يتم استعراض رحلاتهم من المدن السورية إلى جبهات القتال تحت عنوان "في عصر الفدائية".
قصص المقاتلين الذين هجروا اهلهم في سبيل الالتحاق بحروب حزب العمال ضمن المجلة
هذا التركيز على "الفدائية" يهدف إلى صياغة شخصية ترفض الارتباطات التقليدية والمنزلية وتعتبر "الرفاقية" الحزبية هي البديل الأسمى، مما يوفر التبرير الأخلاقي لترك القاصرين مقاعد الدراسة للالتحاق بـ "الأكاديميات" العسكرية.
وتُظهر المراجعة المتقاطعة لهذه الأعداد أن الحركة تسعى لبناء شخصية ثورية ترفض ما تصفه بـ "الحداثة الرأسمالية" و"الانحطاط الكردي"، وتتبنى عوضاً عن ذلك مفهوماً شمولياً للحرية يمر عبر تحطيم "جدران إمرالي" والانخراط فيما تصفه بـ "الحرب العالمية الثالثة".
الترويج لاعتقال اوجلان كمؤامرة دولية هدفها اشعال الحرب العالمية الثالثة في مجلة الشبيبة الثورية
ووفق ما ورد في العدد الرابع (تموز 2021) من مجلة "الشبيبة الثورية"، إذ يكشف عن المسار العملي لنقل اليافعين السوريين إلى جبهات القتال الخارجية.
مجلة الشبيبة الثورية العدد 4 لعام 2021 حول حياة الانتقال الى جبال قنديل
تبرز المجلة نموذج المقاتلة "ساريا جيا" (ساريا محمود)، وهي ابنة عائلة من عين العرب/كوباني ولدت في دمشق، كدليل رسمي على دور الحركة في تصدير الكوادر إلى "جبال كردستان".
قصة ساريا جيا التي تروج لها المجلة كفتاة كردية عاشت في دمشق و "استشهدت" دفاعا عن القضية الكردية
ويشير النص إلى أن رحلتها بدأت بالانخراط في صفوف الحركة عام 2016، لتنتهي مقاتلة في "ساحة أفاشين" شمال العراق ضمن وحدات المرأة الحرة (YJA-STAR)، مما يشير إلى أن "الشبيبة الثورية" تعمل كقاعدة إمداد خلفية توفر المقاتلين لصالح "صقور زاغروس" وهي سلسلة من العمليات العسكرية التي أطلقتها قوات الدفاع الشعبي (HPG) ووحدات المرأة الحرة (YJA-STAR) لمواجهة القوات التركية في مناطق آفاشين ومتينا وزاب في إقليم كردستان العراق.
علاوة على ذلك، يشرعن هذا العدد عملية "الاغتراب عن المجتمع المدني" من خلال خطاب أيديولوجي يصور الحياة العادية ضمن "النظام الرأسمالي" كحالة من العبودية، مقابل تمجيد "الحياة الكريمة والسعيدة" التي لا توجد -حسب زعم المجلة- إلا في "صفوف الكريلا في الجبال".
أما "الكريلا"، فهم المقاتلون والمقاتلات المنضوون تحت لواء حزب العمال الكردستاني، والذين يعتمدون تكتيكات حرب العصابات والتحصينات الجبلية والأنفاق في تنفيذ مهامهم القتالية.
ترويج المجلة لخطاب الحرب من أجل أوحلان بديلاً عن التعليم كسبيل للحرية
وتربط المجلة بشكل مباشر بين "تنظيم حرب الشعب الثورية" وبين "الثورة الثقافية"، مما يوضح أن الهدف من الأنشطة الثقافية والتعليمية للحركة في مدن شمال شرق سوريا هو في الحقيقة "عسكرة خيال" اليافعين وتهيئتهم نفسياً للحظة الانتقال من مقاعد الدراسة إلى خنادق القتال الجبلية، واعتبار أخبار العمليات العسكرية في أفاشين وقنديل هي المرجعية والهوية الأسمى لشبيبة المنطقة.
الترويج لخطاب الحرب الشعبية التي تعتمد على الكثافة البشرية ضمن محاور المجلة
ومن خلال هذه الأدبيات، تشرعن الحركة عمليات القمع والاعتداء على المعارضين بوصفها "دفاعاً عن نهج القائد"، وتؤصل لعمليات تجنيد الأطفال بوصفها "تحرراً من العبودية الفردية" للذوبان في الكيان العسكري للمنظومة العابرة للحدود.
ولا تكتفي الماكينة الأمنية بمحاصرة الطفل، بل تمتد لتطوق العائلة بسياسة الترهيب المباشر؛ حيث يتم تهديد الأهالي بالسجن أو التصفية في حال تجرؤوا على إيصال الحقيقة للمنظمات الحقوقية أو الجهات المعنية بحقوق الإنسان.
الطفولة الكردية بين استحقاق "المرسوم 13" وتحديات الدمج العسكري
يفرض استحقاق دمج "قسد" في هيكلية الدولة السورية ضرورة تفكيك حركة "الشبيبة الثورية" وإنهاء ظاهرة "الوقود البشري" العابر للحدود. وتكمن قيمة الاعتراف بالحقوق الثقافية الكردية، وفقاً للمرسوم رقم 13، في حماية الأطفال من "عسكرة الطفولة" وضمان حقهم في التعلم ضمن مؤسسات وطنية رسمية، بعيداً عن "أكاديميات التعبئة" التي حولت اللغة والتعليم إلى أدوات استقطاب أيديولوجي وميداني.
كما يضع هذا المشهد الدولة السورية أمام تحدٍّ مصيري لإخضاع كافة القوى العسكرية لرقابة قانونية صارمة، تمنع تسلل كوادر العمال الأيديولوجية إلى المؤسسات التربوية، وتضمن ألا يكون الاعتراف بالهوية بوابة لتجنيد القاصرين في معارك لا تخدم المصلحة الوطنية.