
ما حقيقة الادعاء بشأن إطلاق “زين” باقة إنترنت مجانية في سوريا؟
ادعاء تفعيل شركة زين (Zain) للاتصالات لباقة إنترنت مجانية، تتضمن 40 غيغابايت إنترنت و300 دقيقة، هو ادعاء ملفق.


تَعبُر شاشات السوريين منذ انطلاق كأس العالم 2026 إعلاناتٌ مموّلة عبر منصة "ميتا" تَعِد بمشاهدة المباريات مجاناً، لكنها تَقود المستخدمين مباشرة إلى فخ المقامرة. وتتصدّر وجوه فنية ومؤثرة بارزة هذه الهجمة التسويقية، لتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى بوابات ترويجية تستدرج المستخدمين نحو طاولات قمار رقمية تُدار من خلف الحدود.
تستهدف منصات المراهنات جيوب المواطنين السوريين بهذه الإعلانات المكثفة، مستغلةً السعي الحثيث لتحسين الدخل وسط ظروف معيشية خانقة، تخطت فيها معدلات البطالة عتبة الـ %60 وتجاوز الفقر حاجز الـ %90.
وهو ما استدعى تتبع آليات عمل منصتين رئيسيتين تهيمنان على المشهد، لتفكيك طريقة التفافهما على الحظر الرقمي، وكشف كيفية استنزافها لأموال السوريين يومياً عبر شبكات دفع إلكترونية محلية ووكلاء يتحركون في الظل بعيداً عن أعين الرقابة.
تستغل منصة Texas4win الشغف الرياضي وعجز الغالبية العظمى من المواطنين السوريين عن دفع رسوم الاشتراك للقنوات الرياضية المشفرة، وتروج لموقع يبث مباريات كأس العالم 2026 بشكل مقرصن ومأخوذ مباشرة من القنوات الرياضية الشهيرة.
وتتيح المنصة هذا البث مجاناً ودون شروط للمستخدمين داخل سوريا مستغلةً حاجتهم للمشاهدة المجانية؛ وبمجرد دخول المستخدم إلى الموقع، تظهر واجهة المراهنات وشريط تخمين النتائج ملتصقاً بشاشة العرض لإغرائه بتحقيق ربح مالي سريع أثناء المتابعة.

تُدير المنصة عملياتها الفنية والتنظيمية من خارج الحدود السورية بالكامل دون الحصول على أي ترخيص محلي أو دولي قانوني، وتعتمد في تمددها على نموذج شراكة مزدوج ينقسم بين "الوكلاء الميدانيين" و"المسوقين الرقميين".
وتوفّر المنصة لهؤلاء بوابة رقمية مخصصة لإدارة نظام العمولات المالي تمنحهم لوحات تحكم لمتابعة الأرباح، بالتوازي مع بوت تفاعلي عبر تطبيق "تيليغرام" لإدارة حسابات اللاعبين وتوجيههم، فيما تستخدم المنصة خط هاتفي دولي رواندية لإدارة عمليات الدعم الفني واستقطاب الضحايا.


وتكشف البنية الداخلية للموقع أن المنصة تقدم "عجلة حظ" شهرية تمنح مكافآت تشمل هواتف آيفون ومبالغ نقدية تصل إلى 5000 دولار أمريكي كطُعم تشجيعي، كما تنقسم شبكة المروجين إلى قسمين، يستهدف الأول "الوكلاء الماليين" من أصحاب الخبرة في الإيداعات والمحافظ الإلكترونية لتقاضي عمولات تصاعدية على كل عملية إيداع نقدي.
ويستهدف الثاني "المسوقين وصناع المحتوى والمؤثرين" عبر تزويدهم بروابط تتبع مخصصة، ومنحهم هياكل ربح مرنة أبرزها نظام (CPA) لتقاضي مبلغ ثابت عن كل لاعب جديد، أو نظام "حصة الإيرادات" المعتمد على اقتطاع نسبة مئوية مستمرة من صافي خسائر الضحايا المُحالين وفق اليات التسويق الهرمي.
وتطلق المنصة منافسة بين شبكاتها عبر تنظيم مسابقات شهرية تهدف لتعظيم الأرباح وضمان الولاء، حيث تُصنّف وكلاءها إلى مستويين تنظيميّين يندرج أولهما تحت مسمى "الوكلاء الفرعيين" الذين ترتّبهم المنصة شهرياً بناءً على النشاط الإجمالي لشبكتهم وصافي إيراداتها، وتشترط لأهليتهم الحفاظ على خمسة لاعبين نشطين كحد أدنى، مقابل منح أصحاب المراكز العشرة الأولى عمولات إضافية تتراوح بين %1 و%5، ويجري تتبع أدائهم بدقة عبر معرّفات رقمية مكونة من سبعة أرقام.
ويأتي في المستوى الثاني "الوكلاء الرئيسيون" الذين تمنحهم المنصة مكافآت نمو تصاعدية تُحسب مقارنة بالشهر السابق لتتراوح بين %1 و%3 كعمولة إضافية، شريطة ألا يقل حجم التداول عن 1000 دولار شهرياً.
وتفرض المنصة مع ذلك بنداً أمنياً صارماً يُسمى "مكافأة صفر شكاوى" تمنح بموجبه عمولة إضافية بنسبة %1 للوكالات التي تنجح في تسوية نزاعاتها الميدانية محلياً دون تسجيل أي شكاوى صالحة ضدها؛ وهي الحيلة الذكية التي تضمن بها المنصة بقاء عمليات هؤلاء الوكلاء في الظل، وتمنع تصاعد المشاكل الميدانية إلى العلن لحماية الشبكة بالكامل من الرقابة والملاحقة القضائية.


وتبرز منصة "شام كاش" كواحدة من وسائل الدفع الرسمية المتاحة في البلاد، والتي جرى استغلالها لتسهيل عمليات المراهنة ونقل الأموال. وتتحرك هذه المعاملات عبر حساب مشفر وغير موثق باسم (ع.م)، رصده فريق التحقيق وتبين أنه أُنشئ بتاريخ 14 كانون الأول/ديسمبر 2025 بهدف تسهيل حركات الدفع والتحويل نحو المنصة، حيث تتيح للمستخدمين تحويل مبالغ مالية تتراوح بين دولار واحد و5000 دولار أمريكي بشكل مباشر وسريع.
ويشارك فنانون ومؤثرون سوريون ولبنانيون بارزون في الترويج لمنصة Texas4win عبر حسابات المنصة الرسمية وإعلانات ميتا، حيث رصد فريق التحقيق مقاطع فيديو لممثلين سوريين معروفين بينهم يزن السيد وأندريه سكاف وجيني أسبر ومحمد خير الجراح وآخرون.










وركزت هذه الشخصيات في حديثها على دعوة الجمهور لمتابعة مباريات كأس العالم مجاناً عبر المنصة، مروجين بذلك لمحتوى رقمي "مقرصن" دون الإشارة علناً إلى أن الموقع مخصص للمقامرة؛ بيد أن عمليات المونتاج المرافقة لتلك الفيديوهات، والروابط الملحقة بها، وجّهت المستخدمين بشكل مباشر نحو منصات المراهنة.
تتصدر منصة 1xBet المشهد كواحدة من أضخم شبكات المراهنة الرقمية عالمياً منذ تأسيسها عام 2007، وتلاحق مؤسسيها مذكرات اعتقال دولية بسبب أنشطة مالية غير مشروعة.
وسحبت السلطات البريطانية ترخيص المنصة عام 2019 نتيجة بثها إعلانات ممولة على مواقع غير قانونية، وتلا ذلك تقرير لمنصة (Bellingcat) كشف تورط المنصة في تنظيم ومسرحة مباريات وهمية بمشاركة أطفال دون سن الرابعة عشرة لاستغلالها في المراهنات.
وتستخدم المنصة مئات "النطاقات البديلة"، وهي عبارة عن عناوين إنترنت مؤقتة ومستمرة في التغير للوصول إلى الخوادم ذاتها. وتعتمد على خوارزميات لتوليد أسماء النطاقات آلياً، مما يجعل قرار الحجب الحكومي قاصراً بطبيعته؛ فبمجرد حظر عنوان معين، تطلق المنصة نطاقاً جديداً فوراً، ويصل الرابط البديل للمستخدمين في سوريا عبر قنوات تيليغرام ومجموعات التواصل الاجتماعي دون توقف.
تستقبل المنصة الأموال من داخل الجغرافيا السورية عبر شبكات دفع محلية؛ حيث تعتمد المعاملات على محفظة "سيريتل كاش" من خلال رقم محفظة ينتهي بالرقم 774 لتلقي الإيداعات، وتستخدم أيضاً تطبيق "شام كاش" عبر حسابان يحملان اسم (أ.ج) و (م.ب)، وهما الحسابان المستخدمان لتمرير حركات الدفع والتحويل المالي اليومي.



وتوظف منصة المقامرة واجهة تابعة لها تسمى "Chicken Road" للترويج لأنشطتها وجذب مستخدمين جدد، وهي عبارة عن لعبة مؤقتة ومبسطة يمارسها المستخدم على هاتفه، لتنقله لاحقاً وبشكل تلقائي إلى موقع المراهنات الرئيسي 1xBet.

ورصد فريق التحقيق إعلاناً مرئياً ومفبركاً بواسطة تقنية التزييف العميق، يدمج صوت وصورة مذيعة في قناة "الإخبارية السورية" الرسمية؛ لتظهر المذيعة في خلفية تشبه نشرة الأخبار وهي تروّج للعبة وتحث المواطنين على الاشتراك بها لتحقيق أرباح مالية.

يُجرّم القانون السوري القمار بوضوح في المواد (618 و619 و620) من قانون العقوبات، وهو ما دفع وزارة الاتصالات والتقانة السورية، في 14 حزيران/يونيو 2026، إلى إعلان حجب واسع لمواقع القمار الإلكترونية استجابةً لحملة مطالبات وشكاوى قادها مدونون، بالتوازي مع توجيه الوزارة مطالبات رسمية لشركة "ميتا" لوقف الإعلانات الممولة التي تستهدف النطاق الجغرافي السوري.
وتُثبت نتائج هذا التحقيق أن قرارات الحجب التقني ستظل خطوة ناقصة الأثر أمام خوارزميات النطاقات البديلة المتغيرة وأساليب الترويج والالتفاف الرقمي، ما لم تترافق بملاحقة قضائية صارمة لشبكات الوكلاء الميدانيين، وإغلاق بوابات الدفع الإلكترونية المحلية والرسمية المستغلة كقنوات لتمرير الأموال نحو المشغلين في الخارج.