
هل نعى الفنان بشار إسماعيل "خامنئي" ووصفه بالشهيد الصائم؟
نشرت صفحات عامة عبر موقع فيسبوك، تصريحاً منسوباً إلى الفنّان السوري بشار إسماعيل ينعى فيه المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي، إلا أن الادعاء ملفق.


تُعد "حرب المعلومات" اليوم جبهة قتال موازية في الصراع الإيراني الإسرائيلي، حيث يُستخدم التضليل لتقويض الاستقرار وشلّ الإدراك، فتبرز أهمية فهم آليات التضليل كضرورة حتمية لتحصين الوعي وتفكيك هذه الترسانة.
تستهدف "دعاية الاغتيال" اختراق الوعي الجمعي بصورة وهمية لسيطرة الخصم المطلقة، محوّلةً الشائعة إلى أداة لفرض "الهيمنة الذهنية".
وتعتمد هذه الاستراتيجية على إيهام الحاضنة الشعبية بالانكشاف التام، مما يضرب الثقة في المنظومات الدفاعية ويزعزع الاستقرار النفسي قبل الميداني. إذ تستثمر آليات التضليل الفترة الرمادية الفاصلة بين وقوع الحدث الأمني وبين الظهور العلني اللاحق للمستهدف لتمرير سرديات تصفية جاهزة تهدف لصدمة الإدراك العام.
تجلّى هذا النمط في مطلع آذار/ مارس 2026 مع إعلان اغتيال قائد سلاح الجو الإسرائيلي "تومر بار"؛ حيث تعمل هذه الدعاية على تحويل الغياب المؤقت للشخصيات إلى "برهان زائف على الموت"، مستغلةً حاجة العقل البشري الفطرية لسد الفراغ المعلوماتي بتفسيرات تخدم أجندة الحرب النفسية على الخصم.
يتصدّر توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي المشهد في "تضخيم الضربات العسكرية" وادعاء "الانتصارات الساحقة" لتعظيم صورة القوة التدميرية للأطراف؛ حيث تُنتج هذه الجهات مقاطع فيديو تهدف لزعزعة الثقة في المنظومات الدفاعية وتصوير الهزيمة كأمر واقع ومحتوم.
يختطف هذا التضليل انفعالات الجمهور بمشاهد مولدة تُصوّر دماراً خيالياً، ليصنع "واقعاً بديلاً" يوهم المتابع بانهيار الخصم ويحوّل الشاشة إلى ساحة معركة للهيمنة على الإدراك العام.
وتكشف نتائج التحقق في منصة (تأكد) منذ مطلع آذار/ مارس 2026 عن نماذج لهذا "التضليل الرقمي" من طرفي النزاع؛ إذ رصدت المنصة مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي، أحدها يُزعم أنه لقصف إيراني على حيفا، وآخر يُزعم أنه صور انفجاراً قرب "برج ميلاد" في طهران كجزء من هجوم أمريكي مزعوم.
تُبين لاحقاً أن هذه الحالات ماهي الا "انتصارات اصطناعية" تترك دائماً خلفها أدلة تقنية تفضح زيفها، كغياب الأضرار الإنشائية في المباني المحيطة، أو أخطاء في شكل المعالم الجغرافية، أو عدم تضرر زجاج النوافذ من شظايا الانفجارات المزعومة، أو بصمات رقمية للأدوات التي أنشئتها.
يُشكّل "تدوير الأرشيف" أحد أكثر أساليب التضليل فتكاً نظراً لبساطته وقدرته العالية على التغلغل؛ حيث يعتمد صنّاع التضليل على سرقة "صدق الصورة" من أحداث حقيقية وقعت في الماضي وحقنها في سياقات جارية لتعزيز رواية "الانهيار الميداني" للخصم وتجريده من صورته السيادية.
تَستغل هذه الآلية حالة "الفوضى المعلوماتية" وسرعة التداول اللحظي، محولةً حريقاً منزلياً اندلع في بلدة غالاوي بولاية نيوجيرسي الأمريكية في شباط/ فبراير 2026، إلى مشهد مزعوم لـ "احتراق منزل نتنياهو وفقدان الاتصال به" في آذار/ مارس 2026، مستهدفةً بذلك خلق حالة من الانكشاف الأمني الوهمي في ذروة التصعيد.

وتُحوّل استراتيجية "إزاحة السياق" مقاطع الغارات السابقة على ضاحية بيروت الجنوبية من أيلول/ سبتمبر 2024 إلى "أحزمة نارية" حية تُطلق الآن، ما يُثبت أن المضلل يراهن بشكل أساسي على "الذاكرة القصيرة للجمهور" وتراكم الأحداث البصرية المتشابهة لتمرير انتصاراته الزائفة.

يَمتد هذا التلاعب ليشمل عنصر "الزمن" نفسه، عبر تقديم مقاطع قديمة لقصف تلفزيون "خبر" الإيراني من حزيران/ يونيو 2025 وادعاء وقوعها "الآن وعلى الهواء مباشرة" في آذار/مارس 2026، وهو أسلوب "الاستعجال القسري" الذي يهدف لإرباك المتلقي ودفعه للتصديق تحت وطأة الحدث الراهن.

وفي الحرب الحالية؛ لا تأتي قوة التأثير في هذه المقاطع من براعة التزييف التقني، بل من "واقعية المشهد الخام" التي تُعطّل حواس النقد التلقائية لدى المتلقي وتدفعه للمشاركة الفورية تحت تأثير الصدمة العاطفية والنشوة اللحظية.
يُطبّق المضللون قاعدة (90/10) عبر تقديم وثائق أو صور تحتوي على 90% من المعلومات الصحيحة والموثقة لبناء جسر من الثقة مع المتلقي، قبل دسّ الـ 10% "المسمومة" في قلب النص.
يَستهدف هذا النمط اختراق حصون المنطق لدى النخبة والمدققين، محولاً "الحقيقة الجزئية" إلى غطاء يحمي الرواية المضللة من الكشف السريع، ويجعل من عملية التفنيد جهداً شاقاً يتطلب وقتاً يكون فيه التضليل قد أتمّ مهمته في تسميم الوعي العام وتوجيه الرأي العام نحو استنتاجات خاطئة مبنية على "مقدمات صادقة".
تَجلّى هذا الاستغلال الممنهج في "تزييف التبعية التقنية" لحطام الطائرات؛ إذ رصدت منصة (تأكد) كيف جرى تحويل سقوط مسيرة سعودية في اليمن إلى "اعتراض ناجح" لمسيرة إسرائيلية في أصفهان بإيران، أو ادعاء أنها طائرة أمريكية أسقطها الحوثيون.
يَعتمد المضلل هنا على وجود "حطام حقيقي" يمكن رؤيته بالعين المجردة، مستغلاً تعقيدات أنظمة الترقيم العسكرية واتفاقيات التسلح الأمريكية لإرباك الجمهور بتفاصيل تقنية تبدو رصينة؛ لتحقيق "انتصار" مزيف.
و تُهندس "الذرائع الاستباقية" عبر المنصات الإعلامية كـ (والا) الإسرائيلية بآلية "دس السم في العسل"؛ حيث تُختطف حقائق سيادية كوجود الجيش السوري لتأمين حدوده وتُغلف بسردية "خرق التفاهمات".
يكمن التضليل هنا في تحريف "الغاية" من التحرك؛ فتحويل الدفاع السيادي إلى "تهديد استراتيجي" أو استهداف لمكونات اجتماعية معينة، يَمسخ الخبر الصحفي من أداة للإخبار إلى "وثيقة تبرير" تمنح المضلل غطاءً لشرعنة عدوانه القادم، مستخدماً "الحقيقة الميدانية" كطُعم لتمرير نياته المبيتة.
تبدأ النجاة من "حرب المعلومات" حين تقرر ألا تفتح عقلك لكل ما تراه على شاشة هاتفك. عليك أن تُشغّل "مصفاة الشك" أمام أي خبر يجعلك تشعر بفرح شديد أو رعب مفاجئ؛ فهذه الأخبار مصممة خصيصاً للتلاعب بمشاعرك وتعطيل تفكيرك المنطقي.
المضلل المحترف لا يقدم لك كذبة كاملة، بل يمنحك "جزءاً من الحقيقة" ليجعلك تبتلع "السم" الذي دسه في منتصف الخبر. تذكر دائماً أن الخبر "الصادم" هو رصاصة رقمية هدفها كسر معنوياتك وهز ثقتك، فلا تسمح لقلقك أن يصبح وقوداً لشائعات تسعى لاحتلال وعيك قبل أن تصل إلى الميدان.
لذا، استبدل الاندفاع وراء العواطف بـ "فن الصبر"، خاصة في الساعات الأولى التي تلي أي حدث أمني؛ فهذه هي "الفترة الرمادية" التي يستغلها صناع الكذب لملء الفراغ بقصص اغتيالات وهمية وفيديوهات "سينمائية" مصنوعة بالذكاء الاصطناعي وتبدو شبه حقيقية.
لا تمنح ثقتك لمشاهد تفتقر للتفاصيل الجغرافية الواضحة، و استخدم أدوات البحث العكسي عن الصور لكشف الفيديوهات القديمة التي يُعاد تدويرها من أحداث أو حروب سابقة لإيهامك بانتصارات وهمية.
الحقيقة في هذه الحرب لا تُكتشف بالعين المجردة فقط، بل بالمنطق الذي يرفض تصديق "الموت أو الاغتيال" إلا ببيان رسمي من صاحب الشأن نفسه، ولا تصدق "النصر" إلا حين تراه مؤكداً في المنصات المستقلة الموثوقة.
و تذكر أن دورك في هذه الحرب يتجاوز مجرد المشاهدة؛ فزر "المشاركة" في يدك هو بمثابة "الزناد" في معركة وعي كبرى.
حين تنشر خبراً أو فيديو دون تأكد، فأنت تساهم في تمرير التضليل إلى أهلك وأصدقائك وتساهم في تسميم الجو العام، والثقة لا تُقاس بحجم الانفجار في الفيديو ولا بكلمة "عاجل" الحمراء، بل بمدى صدق القصة وأصلها.
الزم هدوءك وصمتك المؤقت حتى تنجلي الحقيقة، واعلم أن من يملك الحقيقة لا يحتاج للصراخ لإثباتها، أما من يملك الكذبة فهو من يلهث لغرسها في وعيك وتحقيق أثرها قبل أن ينكشف الزيف.