
هل هاجم الكنيست الإسرائيلي سياسة ترامب في سوريا؟
زعمت حسابات في فيسبوك أن الكنيست الإسرائيلي هاجم سياسة ترامب في سوريا، متهماً إياها بالتسبب بهروب سجناء "تنظيم الدولة الإسلامية" وتهديد الأمن القومي وارتكاب انتهاكات بحق الكرد، إلا أن الادعاء ملفق.


إن الهجمات التي تحدث الآن هي مؤامرة دولية قذرة لإلغاء وجودنا، لا صراعاً على أرض أو سيادةروكسان محمد - المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة في "قسد"
هكذا رسمت المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة في "قسد"، روكسان محمد، مشهداً يتماهى فيه الجيش السوري مع "تنظيم الدولة الإسلامية" في خندق واحد، محذرةً من أن "محرري الإنسانية من الإرهاب يُتركون اليوم للموت على يد ورثته".
لم يكن استحضار التنظيم في خطاب قيادة "قسد" مجرد توصيف مارق، بل "مقايضة أخلاقية" صريحة موجهة للعالم؛ وهو ربطٌ استكمله نداء فوزة يوسف، الذي وصف عمليات الجيش السوري بـ "إبادة جماعية تقودها عصابات داعش تحت مسمى رسمي"، في محاولة واضحة لإعادة إنتاج المناخ الذي أحاط بمدينة عين العرب/كوباني عام 2014، واستثمار "فوبيا التطرف" دولياً.
انتقلت قيادة "قوات سوريا الديمقراطية" مؤخراً من لغة "المواطنة السورية" إلى استراتيجية تعبئة قومية في تحشيد العمق الإقليمي ضد محاولات دمجها في مؤسسات الدولة؛ حيث شكل تصريح القائد العام لـ"قسد"، مظلوم عبدي، حجر الزاوية في إغلاق أبواب التفاوض بقوله: "أنا أمثل شعباً ودماء شهداء، ولا يمكنني المساومة من أجل كرسي".
وباستدعاء سردية "كوباني" عبر ماكينتها الإعلامية، تخلع "قسد" رداء "الهوية السورية الجامعة" ومفهوم "أخوة الشعوب" الذي استثمرت فيه لسنوات كغطاء لمشاريعها، مرتديةً "عقيدة المقاومة" كخيار أخير لانتزاع حصانة دولية وتبرير رفض الاندماج في مؤسسات الدولة السورية.
فاعتمدت إلهام أحمد، الرئيس المشارك للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية، في تغريداتها الأخيرة استدعاء "فوبيا الإبادة الجماعية" بربط عمليات الجيش السوري الاخيرة بمعارك كوباني 2014، واصفةً تحركات الجيش السوري بأنها "إبادة عرقية" تستهدف الوجود الكردي.
وانتقل هذا التأثير ميدانياً عبر استنفار إقليمي، شهد تحرك مجموعة من وحدات مكافحة الإرهاب الكردية (CTG) من السليمانية إلى الحسكة، وزيارات وفود سياسية من حزب "دم بارتي" التركي للقامشلي في 21 كانون الثاني/ يناير 2026.
توسعت هذه الاستراتيجية لتشمل تحريض الشارع القومي في الجوار السوري والمهجر؛ حيث اندلعت احتجاجات في مدينة "نصيبين" التركية و أربيل وعدة مدن أوروبية ذات طابع قومي، تزامنت مع انتشار تسجيلات لمسلحين من إقليم كردستان العراق يتوجهون نحو الحدود مع الحسكة لتلبية "النفير العام".
وبذلك تسعى قسد لتحويل النزاع بينها وبين الحكومة السورية إلى "أزمة أمن إقليمي" شاملة، تفرض على المجتمع الدولي التدخل لحماية الكرد في الظاهر، وتأمين بقاء "قسد" كشريك استراتيجي في الباطن، مما يمنحها الذريعة النهائية لاستكمال مشروعها السياسي تحت غطاء حماية المكون الكردي من الفناء.
لم تكتفِ قسد بالتحشيد القومي، بل أعادت تفعيل ورقة " داعش" كأداة ضغط قصوى على المجتمع الدولي؛ حيث استدعت ماكينة "قسد" الإعلامية إرث "طابور الحرية العالمي"، الذي شارك مع قسد في حربها ضد تنظيم الدولة وكان له أثر في معركة كوباني، عبر منصات "تليغرام" و"إكس".
إذ بثت حسابات مثل (RiseUp4Rojava) مقاطع تعبوية تدعو إلى مظاهرات لكسر الحدود، وأخرى لمقاتلين أجانب يدعون "الرفاق" حول العالم للالتحاق بـ"روج آفا" للدفاع عن "الثورة العالمية و النسوية" ضد ما وصفوه "بفاشية داعش وهيئة تحرير الشام" في معركة "للقيم العالمية".
ووظف المركز الإعلامي لـ"قسد" والمتحدث باسمه "فرهاد شامي" ملف سجون معتقلي تنظيم الدولة كـ"قنبلة موقوتة" لابتزاز المجتمع الدولي؛ حيث تكررت التحذيرات من أن الهجمات والتهديدات العسكرية المستمرة تفرض سحب وحدات الحماية من السجون ومخيمات الاحتجاز للتوجه نحو الجبهات، مما يجعل تأمين آلاف المحتجزين في مراكز كـ"مخيم الهول والشدادي" أمراً "شبه مستحيل".
فأصدر فرهاد شامي بياناً رسمياً عند الساعة 5:02 من مساء اليوم الإثنين 19 كانون الثاني/يناير 2026 أعلن فيه خروج "سجن الشدادي" عن سيطرة "قسد" إثر هجمات نسبها لفصائل تابعة للحكومة السورية، محملاً التحالف الدولي مسؤولية "الكارثة الأمنية" لعدم تدخله رغم قربه من موقع الحدث.
إلا أن التحقق كشف عن ثغرات جوهرية في هذه الرواية؛ إذ نشر حساب "قسد" الرسمي بعد ساعتين مقطعي فيديو ادعى أنهما يوثقان لحظة الاقتحام وإخراج عناصر التنظيم. ليتبين أن أحدهما قديم ومصور بتاريخ 18 كانون الثاني/ يناير 2026، أي قبل يوم من سقوط السجن وخلال فترة سيطرة "قسد" عليه.

أما المقطع الآخر، فقد أظهر خروج أشخاص من السجن في فترة الصباح، وهو التوقيت الذي كانت فيه قوات "قسد" لا تزال تفرض سيطرتها الكاملة ميدانياً.
في ظل المتغيرات السياسية المتسارعة، وتراجع دور "قسد" المحوري في الملفات الدولية، اتجهت نحو استراتيجية "طرق كل الأبواب" لضمان البقاء.
و تجلى هذا التحول في تصريحات إلهام أحمد، التي كشفت في مناسبتين منفصلتين عن انفتاح استراتيجي تجاه إسرائيل؛ حيث أكدت أولاً وجود اتصالات مستمرة مع أفراد إسرائيليين والترحيب بالدعم "من أي مصدر كان". وفي مقابلة مع قناة "i24" عقب الهدنة الموقعة مؤخراً، شددت على أن "الكرد يواجهون إبادة جماعية"، موجهة نداءً يقول: "من يريد مساعدتنا فعليه فعل ذلك اليوم، لم يعد هناك وقت للمبررات".
هذا التوجه السياسي عززه الموقف العسكري الذي عبر عنه سيبان حمو لرويترز، واصفاً إسرائيل بـ"الدولة القوية ذات الأجندة الخاصة". ولم يكتفِ حمو بالتوصيف، بل أعرب عن أمله في أن تشمل مواقف الإسرائيلية "الداعمة للأقليات" الكرد أيضاً، في إشارة لتدخلها لصالح الدروز سابقاً.
هذا "الاستجداء السياسي" وتصوير الصراع كسباق مع الزمن يعكس محاولة "قسد" ملء الفراغ الدولي الناتج عن تراجع الغطاء الأمريكي، خاصة بعد منشور مبعوث توم براك في إكس، الذي اعتبر فيه أن دور قسد كقوة أساسية ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" قد انتهى؛ حيث تسعى للحصول على أي دعم إسرائيلي شبيه بدعم التحالف الدولي لتضمن لها حصانة عسكرية وسياسية بعيداً عن سيادة الدولة السورية.
تجد سردية "صراع الوجود" التي تروج لها قيادة "قسد" وقودها البصري في الممارسات التي ترتكبها بعض العناصر المسلحة في الطرف المقابل؛ حيث تُستغل المقاطع المصورة التي توثق التمثيل بجثث مقاتلات "قسد" عبر إطلاق النار عليها ودهسها، و التباهي بخصلة شعر مقاتلة من قسد، لتصوير النزاع كحرب "وحشية" لا مجرد صراع لإنفاذ سيادة الدولة.
و تداول فيديوهات تكسير شواهد القبور في "مقبرة الشهداء" بالشدادي واستخدام ألفاظ مهينة بحق الموتى، لا يُعامل في إعلام "قسد" كأخطاء فردية لا علاقة لها بالبنية التنظيمية للدولة السورية، بل يُعمم كمنهجية ثابتة تهدف لترسيخ قناعة لدى الحاضنة الكردية بأن البديل عن "قسد" هو الإهانة و"التصفية العرقية".
وفي ذات السياق، فإن تصريح قائد الفرقة 76، سيف أبو بكر، الذي أعلن فيه "تطهير ضريح سليمان شاه"، مؤكداً أن "هذه الأرض تركية وستظل كذلك"، في تحية وجهها لرئيس الاستخبارات التركية، جاء بمثابة هدية مجانية لدعاية "قسد" الإعلامية، بـ"تتريك" العملية لا إظهارها على أنها استعادة أراضٍ سورية.
تُظهر تحركات "قسد" الأخيرة أنها قررت المضي قدماً في استراتيجية "حافة الهاوية"، محولةً القضية الكردية في سوريا إلى سلاح بيد مشروعها السياسي، ليشعل فتيل الانفجار الإقليمي شامل. إن الربط المتعمد بين بقاء "قسد" ومنع "قيامة داعش"، بالتوازي مع استجداء الدعم الإسرائيلي وتحريض الشارع القومي في الجوار والنداء لتشكيل طابور حرية عالمي جديد، يكشف عن يأس سياسي ناتج عن تراجع الغطاء الأمريكي وفشل مشروع "أخوة الشعوب" في الصمود أمام مشروع الدولة السورية.
ومع استمرار توظيف الانهيار الأمني في سجون "تنظيم الدولة الإسلامية"، والاستثمار في فيديوهات الانتهاكات الفردية، تبدو "قسد" وكأنها تحرق جسور العودة إلى دمشق نهائياً رغم الاتفاق والتهدئة الأخيرة الموقعة بتاريخ 20 كانون الثاني/ يناير 2026. فالارتداد نحو "القومية الدفاعية" قد يمنح "قسد" حصانة دولية مؤقتة شبيهة لما حصل في السويداء عقب أحداث تموز/ يوليو 2025، لكنه يضعها في مواجهة مباشرة مع التوازنات الإقليمية الصلبة، مما ينذر بأن مشروع "الإدارة الذاتية" بات اليوم أمام خيارين أحلاهما مر بالنسبة لها، فإما الذوبان في التفاهمات مع الحكومة السورية والاندماج فيها التزاماً بالضغوط الدولية، أو المواجهة الصفرية التي قد تنتهي بانتحار سياسي يُنهي أحلام "روج آفا" تحت وطأة التدويل والارتهان للخارج.