تحولت انتخابات الكنيست الإسرائيلي إلى مادة للتضليل الرقمي عبر حسابات وصفحات سورية وعربية على مواقع التواصل الاجتماعي، استغلت الحدث السياسي لنشر مزاعم تغذي الاصطفافات السياسية والطائفية في سوريا.
ورصد فريق منصة "تأكد" تداول ادعاءات مضللة على منصات "فيسبوك"، بالتزامن مع بدء الفرز الأولي للأصوات، واستندت بعض هذه الادعاءات إلى نتائج أولية أظهرت تراجع كتلة بنيامين نتنياهو، لتروّج لانهيارها، قبل أن تتغير الأرقام مع استمرار الفرز.
رصد هذا التقرير ثلاثة ادعاءات رئيسية، زعمت أولها أن حسم نتائج الانتخابات الإسرائيلية يتوقف على فرز أصوات جنود إسرائيليين في مراكز انتخابية بدرعا والقنيطرة وجبل الشيخ، فيما تحدث الثاني عن سقوط حكومة بنيامين نتنياهو إثر هزيمة أمام التيار "اليساري"، وربط الثالث نتائج الانتخابات بمصير رجل الدين الدرزي حكمت الهجري والمكون الدرزي في السويداء.
وللتحقق من هذه الادعاءات، فحص معد التقرير آلية الانتخابات الإسرائيلية وأرقام الفرز الرسمية، للتأكد من صحة المزاعم المتعلقة بالتصويت في الجنوب السوري والنتائج السياسية، والتحقق من الادعاءات التي ربطت الانتخابات بالتطورات المحلية في السويداء.
أظهر الرصد تداول ادعاءات تزعم أن نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلية تتوقف على فرز أصوات جنود إسرائيليين في مراكز اقتراع أقيمت في درعا والقنيطرة وجبل الشيخ.
ولا يقتصر تصويت الجنود الإسرائيليين على المراكز داخل إسرائيل، إذ خُصص نحو 850 مركز اقتراع في قواعد عسكرية ومواقع انتشار داخلها وخارجها، وشملت هذه المواقع 40 مركزاً في قطاع غزة، وتسعة مواقع في سوريا، ومراكز في جنوب لبنان.
ونظراً إلى محدودية عدد مراكز الاقتراع المخصصة للجنود الإسرائيليين في سوريا، لا يمكن لأصواتها أن تحسم نتائج الانتخابات أو تغيّر موازين المقاعد في الكنيست.
استندت حسابات سورية في ترويجها لسقوط حكومة بنيامين نتنياهو إلى نتائج استطلاعات الرأي الأولية التي أظهرت عدم امتلاك معسكره الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، وهو ما لا يعني خسارته الانتخابات أمام ما وصفته الحسابات بـ"اليسار الإسرائيلي".
وحتى ساعة إعداد التقرير، ووفقاً لنتائج فرز 70.7% من الأصوات، تصدّر حزب الليكود نتائج الأحزاب بحصوله على 27 مقعداً، تلاه حزب "يشار" بـ20 مقعداً، وهو حزب يتزعمه غادي آيزنكوت، الرئيس الأسبق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، أما على مستوى الكتل السياسية، حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 54 مقعداً، مقابل 47 مقعداً لكتلة آيزنكوت.
وتضم المعارضة الإسرائيلية أحزاباً يمينية ووسطية إلى جانب قوى يسارية، ما يجعل وصفها بمجملها بأنها "اليسار الإسرائيلي" غير دقيق، إذ أن حزب "يشار"، يطرح نفسه بوصفه تياراً وسطياً، وحصل على 20 مقعداً، فيما حصل حزب "إسرائيل بيتنا"، الذي يتبنى توجهاً يمينياً علمانياً، على 8 مقاعد.
بينما حصل الحزب الديمقراطي، وهو حزب يساري صهيوني يمثل امتداداً لتيارات وأحزاب يسارية إسرائيلية، من بينها حزبا ميرتس والعمل، على 8 مقاعد.
أما القائمة المشتركة، التي حصلت على 13 مقعداً، فهي تحالف سياسي يضم أحزاباً عربية ذات توجهات يسارية وقومية، من بينها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة "حداش"، ذات الخلفية الشيوعية، والتي تدعو إلى حل الدولتين، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق المساواة بين المواطنين العرب واليهود في إسرائيل، إلى جانب العدالة الاجتماعية.
سعت بعض الحسابات المضللة على الشبكات السورية للربط بين نتائج الانتخابات الإسرائيلية وعدم حسم الأغلبية لصالح نتنياهو، بملف السويداء ورجل الدين الدرزي حكمت الهجري.
ويأتي انتشار هذه الادعاءات في سياق رفع أعلام إسرائيلية وصور لنتنياهو في "ساحة الكرامة" بمدينة السويداء، في عدة مناسبات تزامن آخرها مع الذكرى السنوية لعملية السابع من أكتوبر.
غير أن الربط بين احتمالية تراجع نفوذ نتنياهو وحدوث تغير في موقف إسرائيل تجاه الحكومة السورية أو الملف الدرزي في السويداء، هي مزاعم مضللة، إذ إن المعارضة الإسرائيلية، بقيادة غادي آيزنكوت، تتبنى رؤية أمنية متشددة تجاه سوريا ولا تقدم أي بوادر مرونة.
في حوار مع موقع "Times of Israel" في تشرين الأول من العام الحالي، عرض آيزنكوت موقفه من سوريا، واصفاً الرئيس أحمد الشرع بأنه "شخص متطرف للغاية وينتمي لتنظيم الدولة"، وموضحاً عدم ثقته به.
ودعا آيزنكوت إلى تعديل اتفاقية فصل القوات لعام 1974 بما يضمن شروطاً أمنية أكثر صرامة لإسرائيل، مشيراً إلى أن الانسحاب من جبل الشيخ والمواقع الاستراتيجية في الجنوب السوري يرتبط بإزالة القوات التركية والروسية من سوريا.
وتشير تصريحاته إلى أن تغيير الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة تغيير موقفها من سوريا، إذ تظل المطالب الإسرائيلية حاضرة في خطاب الطرف المعارض لنتنياهو أيضاً.
برز ملف الدروز ضمن المنافسة بين القوى السياسية الإسرائيلية، في محاولة لكسب أصوات عشرات الآلاف منهم في الداخل الإسرائيلي.
وسعى بنيامين نتنياهو إلى توظيف ملف السويداء انتخابياً، مقدماً نفسه بوصفه مدافعاً عن دروز سوريا، إذ قال خلال مؤتمر انتخابي إنه واجه الإدارة السورية بهدف حمايتهم.
في المقابل، دخل قائد المعارضة غادي آيزنكوت على خط المنافسة لكسب أصوات الدروز، ونشر في حسابه على منصة "إكس"، في 12 تشرين الأول/ أكتوبر، تصريحاً خلال لقاء انتخابي في دالية الكرمل، قال فيه إن "أبناء وبنات الطائفة الدرزية هم جزء لا يتجزأ من القصة الإسرائيلية والتزام بأمن إسرائيل"، كما وعد بتشكيل حكومة تتعامل مع الدروز بوصفهم شركاء، وتلبي مطالبهم بالأفعال لا بالوعود.
وفي ظل هذا التنافس، نفى الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، الشيخ موفق طريف، دعم بنيامين نتنياهو أو أي طرف سياسي، موضحاً أنه لا يتبنى موقفاً سياسياً ولا يدعو إلى التصويت لأي حزب. كما رفض توظيف الجهود الإنسانية المبذولة لحماية دروز السويداء في المنافسة السياسية والدعاية الانتخابية.
يتطلب تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحصول على ثقة أغلبية أعضاء الكنيست، أي 61 مقعداً على الأقل من أصل 120. ومع عدم امتلاك أي من المعسكرين أغلبية كافية لتشكيل الحكومة منفرداً حتى اللحظة، قد يدخل المشهد في حالة استعصاء سياسي.
وتبرز ثلاثة خيارات لتجاوز الانقسام، وهي استقطاب أحزاب أو نواب من خارج المعسكرين، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو التوجه إلى انتخابات مبكرة في حال تعذّر تشكيل الحكومة ضمن المهلة الدستورية المحددة، وهي 28 يوماً قابلة للتمديد 14 يوماً.