تنحرف النقاشات العامة والسياسية في أوقات النزاعات والأزمات الممتدة عن مسارها الموضوعي، وتتحول إلى محاكمات علنية تستهدف الهويات والانتماءات بدلاً من الأفعال والمسؤوليات الفردية.
ويبرز هنا ما يُعرف بـ "مغالطة التجريم بالتبعية"، والتي تحولت في الواقع السوري إلى فخ للإدانة الجماعية وشيطنة المجتمعات ؛ إذ تظهر هذه المغالطة بشكل متكرر في صيغة تساؤلات اتهامية أو أحكام مسبقة تختزل ملايين البشر تحت لافتة تماثل وتشابه الجميع لمجرد أنهم ينتمون إلى بقعة جغرافية واحدة.
وتُعرّف مغالطة التجريم بالتبعية بإطلاق حكم بالإجرام أو الفساد على شخص لمجرد وجود رابط يجمعه بجهة أخرى ارتكبت ذنباً أو جرماً مشهوداً، سواء كان هذا الرابط طائفياً، أو عرقياً، أو مناطقياً.
فيعاقب الشخص بموجب هذا المنطق المشوه على انتمائه بالولادة لا على فعله، وتتصادم هذه المغالطة مع القواعد الأخلاقية التي تؤكد على أن الجريمة فعل فردي شخصي لا يجوز تعميمه، وأن العدالة الحقيقية تقتضي محاسبة الفرد بناءً على سلوكه وأفعاله، لا بناءً على جغرافيته أو أصله الاجتماعي والعرقي.
وتتسلل هذه الحيلة المنطقية المشوهة إلى تفاصيل الحياة السورية اليومية عبر ثلاثة سياقات رئيسة؛ تبدأ أولاها في النقاشات الدائرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنطلق الحوارات غالباً من حادثة فعلية معزولة ثم سرعان ما تنحرف لتتحول إلى تعميم جائر يستهدف مجتمعات بأكملها بسبب انتماء الفرد.
ويتمثل السياق الثاني في الخطاب السياسي والطائفي الذي يُحاكم طوائف ومكونات كاملة بجريرة أفعال سلطات أمر واقع أو قوى عسكرية فرضت حكمها بالقوة والقسر، دون أي تمييز عاقل بين الحاكم والمحكوم.
ويظهر السياق الثالث في التصريحات والتقارير الإعلامية التي تقع في السطحية عبر وسم مدن ومجتمعات بأسرها بأنها "حاضنة للإرهاب"، لمجرد وجود عناصر أو تنظيمات متطرفة تسيطر على جغرافيتها.
وتظهر المغالطة في البيئة السورية من خلال عدة أنماط؛ حيث تبرز الحالة الأولى في التوظيف والتعبئة التاريخية، عندما تُستدعى خلافات الماضي وأحداثه لتبرير صراعات وجرائم الحاضر.
ويبرز ذلك في الخطاب القائم على التعبئة، حيث زعم المحرّضون في صفوف الميليشيات الشيعية التي عملت إلى جانب نظام الأسد خلال الثورة السورية أن قتال الشعب السوري اليوم هو بمثابة أخذ بالثأر "لدم الإمام الحسين" واقتصاص من السوريين باعتبارهم "امتداداً لقتلة أهل البيت".
وتتجسد الحالة الثانية في اختزال الطائفة في سلوك السلطة الحاكمة، وهو فخ التعميم الذي ينطلق من كون كثير من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية والمقاتلين في صفوف نظام الأسد هم من المنتمين في أصولهم إلى الطائفة العلوية، ليخلص تعسفياً إلى أن كل فرد ينتمي لهذه الطائفة بالولادة هو شريك حتمي في الجريمة ومسؤول عن ممارسات النظام.
وتأتي الحالة الثالثة لتشمل المزج بين المجتمع والتنظيمات المتطرفة عبر وسم الأغلبية السكانية بالإرهاب، وربط العرب السنة بشكل جماعي بتنظيم "الدولة الإسلامية"، بذريعة أنهم "البيئة التي أنتجت التنظيم" وأنهم "متعاطفون معه بالسر".
أما النمط الرابع فيعكس الخلافات السياسية والعسكرية على الهويات القومية، متمثلاً في اتهام المكون الكردي السوري ككل بالخيانة وتبني أفكار الانفصال، بناءً على أن قيادات "قوات سوريا الديموقراطية" من المكون الكردي وتتبع فكرياً لحزب العمال الكردستاني.
وتنشأ الحالة الخامسة في أوساط الاستقطاب الحاد عبر إطلاق أحكام تخوينية تحت عنوان إدانة الجغرافيا، ضد المدنيين السوريين الذين بقوا في منازلهم ووظائفهم داخل المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة نظام الأسد المخلوع، حيث يفترض هذا الطرح أن مجرد البقاء في تلك المدن يُفسّر على أنه تأييد صامت ورضا داخلي عن كل الانتهاكات.
تكمن الخطورة الكبرى في أن هذه المغالطة تؤدي إلى تغييب كامل للوعي والضمير، وتُعتمد لتضمن السيطرة على العقول عبر ثلاث أدوات نفسية تصنع ما يُسمى بالعدو المفترض؛ وتتمثل الأداة الأولى في إلغاء الفروق الفردية عبر صهر ملايين البشر المتنوعين في قالب واحد لتسهيل إدانتهم جملة واحدة، وتتبعها الأداة الثانية المتمثلة في الوسم بالعار الجماعي من خلال تسمية المجتمع بأكمله باسم الفصيل المتطرف أو السلطة الظالمة لتبرير الكره المسبق.
لتصل إلى الأداة الثالثة والأخطر؛ وهي تجريد الآخر من الإنسانية حيث يتحول البريء بموجب الإدانة بالتبعية من إنسان عادي إلى مجرد خصم وهدف مشاع.
ويتعين لتفنيد هذه المغالطة، الالتزام بأربعة مبادئ عقلية وعملية تفككها من جذورها وتؤسس لنقاشات أكثر عدلاً وإنصافاً. يقوم المبدأ الأول على فصل الفرد عن المجموعة عبر إلزام النفس بمحاكمة كل شخص بناءً على مواقفه وكلامه وأفعاله الشخصية فقط، والرفض التلقائي لربطه بجرائم طائفته أو منطقته أو عِرقه.
ويقضي المبدأ الثاني بكسر التلازم الوهمي من خلال الإدراك بأن الانتماء الجغرافي بالولادة لا يشكل خياراً سياسياً، وبالتالي الامتناع عن افتراض أن الشخص يحمل بالضرورة أيديولوجيا القوة العسكرية المسيطرة على جغرافية سكنه.
ويطالب المبدأ الثالث بالتخلي عن المصطلحات الشمولية والتوقف تماماً عن إطلاق الأحكام العامة الجاهزة من قبيل وصف الجميع بأنهم شبيحة أو دواعش أو انفصاليون، واستعاضة عنها بتسمية الأمور بمسمياتها الدقيقة كالفصيل الفلاني أو المجرم الفلاني.
بينما يتمثل المبدأ الرابع في محاربة الإدانة التاريخية، عبر الإيمان بأن البشر الأحياء في الحاضر لا يقعون رهائن لقرارات أو صراعات سياسية وعسكرية اتُّخذت قبل عقود أو قرون، ورفض إسقاط أحقاد الماضي على أبناء اليوم.
إن مواجهة مغالطة التجريم بالتبعية لا تشكّل ترفاً فكرياً، بل تُعتبر ركيزة أساسية لحماية السلم الأهلي وبناء مستقبل سوري قائم على دولة القانون؛ إذ لا تنتج العدالة الانتقامية والصراعات المبنية على الهوية إلا مظالم جديدة وحروباً لا تنتهي، بينما تَكْفَل العدالة الانتقالية القائمة على القضاء العادل إنصاف الضحايا وحماية الأبرياء من الإدانة الجماعية.