
وزير الدفاع السوري لم يهدد إيران بردٍ قاسٍ
ادعت صفحات على منصتة "فيسبوك" و"إكس" أن وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، هدد طهران بردٍ نوعي وقاسٍ حال تنفيذ أي هجوم تجاه سوريا، إلا أن الادعاء غير صحيح.


تشهد البيئة الرقمية السورية اليوم انتشاراً مكثفاً للمغالطات المنطقية بهدف تدعيم سردية سياسية على حساب أخرى. وتبرز من بينها مغالطة "المنحدر الزلق" التي تعتمد على ربط أي مطالبات محلية بنتيجة كارثية كبرى تؤدي إلى تغيير لا رجعة فيه، تماماً كأحجار الدومينو المتساقطة التي ما إن يقع حجرها الأول حتى تتهاوى بقية الأحجار تلقائياً.
وتعمل هذه الحيلة على ربط أي حدث معارض للاتجاه السائد بنظير أسوأ منه؛ فما إن تتصاعد مطالبات تدعو لخفض الأسعار أو تحسين الظروف المعيشية، حتى تُربط بنتائج استباقية تزعم زعزعة أمن البلاد واقتيادها نحو مصير مظلم؛ كإعادة سيطرة نظام الأسد على سوريا على يد فلوله، أو تقسيم البلاد. ولكن، كيف يفكك علم التفكير النقدي ونظريات الاحتمالات هذه المغالطة؟
مغالطة "المنحدر الزلق" أو ما يمكن تجسيده بفرضية "أحجار الدومينو" هي إحدى الأدوات المفضلة لصناع الدعاية الإعلامية عبر التاريخ؛ حيث تعتمد في جوهرها على خديعة إقناع الجمهور بأن النتيجة الكارثية حتمية بنسبة 100%.
ويعامل هذا الخطاب الأزمات السياسية والاجتماعية المعقدة كأنها قطع جماد؛ إذا تحركت القطعة الأولى، فمن المستحيل إيقاف سقوط القطعة الأخيرة، وهو وهم ينهار تماماً أمام التفكير النقدي، إذ إن الأحداث الإنسانية لا تسير في خط مستقيم حتمي، وهي نتاج شبكة معقدة من المسارات والخيارات البديلة.
واستناداً لعلم الاحتمالات، فإن التحليل يضعف فرص تحقق النبوءات الكارثية على اعتبار أن تتالي خطوات "المنحدر" تقلل الاحتمال النهائي بشكل تراكمي، وقد ينهار احتمال الوصول للحدث المتوقع عند نسبة ضئيلة جداً، ففي الحياة الواقعية؛ كل خطوة جديدة تفتح بدائل ومسارات مستقلة عن السقوط الحتمي.
تتضح أبعاد هذه المغالطة عند رصد الأنماط المتكررة في الفضاء السوري، حيث يأتي في مقدمتها نمط تسييس الهوية عبر ربط المطالب الاقتصادية والخدمية بهوية طائفية وأجندات نظريات المؤامرة، وتتجلى المغالطة حين يُزعم أن المطالبة بلقمة العيش ستقود حتماً إلى انتفاضة تعيد إنتاج نظام الأسد بما يوصف بإعادة حكم "الأقليات".
ويتكامل هذا النمط مع مسار آخر يعتمد على السخرية والاستهزاء بشعارات الاحتجاج وشخصيات المحتجين والتشكيك في دوافعهم وأهليتهم، للتهرب من نقاش المشكلات الحقيقية.
في نمط مكمل آخر، يُلاحظ توظيف ملفات الضحايا ودماء الشهداء وآلام سنوات الثورة السورية للانقلاب على المطالب الحياتية ومحاصرتها، بشكل يضع المجتمع أمام خيار صِفري مستحيل: إما الصمت المطبق على المشاكل الحالية، أو تصنيف النقد كخيانة لثوابت الثورة.
تتحول مغالطة "المنحدر الزلق" في الفضاء الرقمي السوري مؤخراً إلى استراتيجية تعتمد بالدرجة الأولى على تكتيك "حرف بوصلة الحوار"، فعوضاً عن مناقشة المشكلات الراهنة والتحديات المشروعة التي تواجه السوريين في هذه المرحلة الحساسة، ينتقل الخطاب لافتعال معارك وهمية حول مستقبل الاستقرار ومصير البلاد بأكملها.
وينجح هذا الأسلوب في نقل الجدل من نقاش حول حلول اقتصادية وخدمية ممكنة على الأرض، إلى معركة افتراضية مشحونة بالتخوين والاتهامات؛ حيث يجد المواطنون وأصحاب المطالب أنفسهم مضطرين للدفاع عن نواياهم وإثبات أن نقدهم البناء لا يهدف إلى هدم المكتسبات أو تخريب المنطقة، مما يشتت الجمهور ويؤدي في النهاية إلى ضياع القضية الأصلية وسط تشنج رقمي مصنّع.
ويستمد هذا التكتيك قوته عبر الاقتران بالابتزاز العاطفي ولعب ورقة "الاستمالة بالخوف"، مستهدفاً الصدمة الجماعية التي عاشها الشارع السوري نتيجة سنوات طويلة من الحرب والنزوح، والمخاوف الطبيعية المتعلقة بملف الأمان وفقدان الاستقرار في المرحلة الحالية. وبدلاً من تفعيل المنطق السليم القائم على أن إدارة المرحلة تحتمل مئات الحلول والمسارات البديلة والمرنة، تحقن تلك الحسابات وعي المتلقي بقلق دائم عبر وضع المجتمع أمام خيار صِفري: إما القبول المطلق بالواقع والأخطاء دون اعتراض، أو تحمل مسؤولية انهيار التجربة الحالية وعودة الفوضى.
تمتد خطورة هذا المنطق لتشمل وجهاً آخر يُعرف بـ "مغالطة التسليم بالأمر الواقع"؛ ويتمثل في استخدام الاحتمالات الكارثية وبدائل الفوضى كذريعة لفرض الجمود الكامل، ومنع أي عملية تقييم أو نقد للأداء المؤسساتي في المرحلة الحالية.
فإقناع الناس بأن نقد خلل خدمي معين سيؤدي حتماً إلى غياب الاستقرار، يدفع المجتمع إلى القبول الإجباري بأخطاء الإدارة لتجنب النتيجة الأسوأ المزعومة. وهو منطق لا يشترط صدوره من المؤسسات الرسمية بشكل مباشر، بل يتبناه اليوم جمهور رقمي مشحون عاطفياً، تقوده وترافقه حملات منظمة تخير الشارع بين القبول بالأمر الواقع أو تحمل الانهيار.
إن هذه السردية تؤدي في جوهرها إلى تقويض عمل الدولة والمؤسسات الناشئة التي تسعى للإصلاح وبناء الثقة، حيث تخلق حالة من الصراع المفتعل والشلل الإداري بما يتعارض تماماً مع المصلحة العامة، فضلاً عن أن الواقع يبرهن دائماً على أن محاصرة المطالب المحقة وشيطنتها بذريعة حماية الاستقرار تتسبب على المدى الطويل في إحداث حالة احتقان حقيقية تؤدي في النهاية إلى الانفجار ذاته الذي يحذر منه مستخدمو المغالطة.
يعتمد دحض هذا الأسلوب على إثبات عدم حتمية النتيجة وإظهار الخيارات البديلة؛ فالأحداث السياسية والاجتماعية في سوريا اليوم، في مرحلة ما بعد سقوط النظام، لا تسير وفق الاحتمال الصِفري الأوحد، بل يمتلك المجتمع آليات ضبط وقنوات مرنة قادرة على تنظيم المطالب المحلية.
وتؤكد هذه المساحة أن المطالبة بالحقوق وتحسين المعيشة تنفصل تماماً عن فكرة انهيار الأمان، اعتماداً لقدرة الشارع على التمييز بين المطالبة بالإصلاح الإداري وبين الحفاظ على أمن البلاد ومكتسباتها.
وتحدد آليات التفكير النقدي خطوات واضحة ومباشرة للتعامل مع هذا النمط من المغالطات في النقاش العام السوري، تبدأ من حصر النقاش في إطاره الموضوعي عبر الالتزام بالقضية، ورفض محاولات تسييسها أو ربطها بسيناريوهات مستقبلية غير مبنية على أدلة حقيقية.
يلي ذلك ضرورة عزل التصرفات الفردية، وتفعيل وعي الجمهور بعدم تعميم أي شعار غير منضبط، ومواجهة سعي مستغلي هذه المغالطة لحرف المطالب عن مسارها، بالإضافة إلى إلزام تلك الجهات بتقديم براهين واقعية تثبت كيف يمكن لخطوة إدارية أو احتجاجية أن تؤدي بالضرورة إلى النتيجة الكارثية الكبرى، بدلاً من التسليم بسردياتهم.
إن توظيف التفكير النقدي في الفضاء الرقمي السوري اليوم يمثل أداة أساسية لحماية الاستقرار؛ فالوعي ببنية مغالطة "المنحدر الزلق" وتطبيقاتها المختلفة يمنح المواطن القدرة على ممارسة دور الرقابة والمطالبة بتحسين الخدمات، دون تأجيج الشارع أو الانجرار وراء سرديات تعتمد على إثارة المخاوف وتعطيل لغة الحوار البناء.