أصدرت منصة (تأكد) تقريرها الشهري لشهر كانون الثاني/ يناير 2026، كاشفة عن تصاعد ملحوظ في وتيرة المعلومات المضللة والكاذبة المرتبطة بالشأن السوري، تزامناً مع توترات سياسية وعسكرية، أبرزها المواجهات بين الحكومة السورية و(قسد) في حلب والرقة ودير الزور.
ووفق التقرير، نشرت المنصة 165 مادة خلال الشهر، شكّلت المواد الخاضعة للتحقق منها 59.4٪ من إجمالي الإنتاج، مقابل 40.6٪ مواد مؤكدة ركزت على الأخبار والقرارات ذات الصلة بحياة السوريين. ويعكس ذلك، بحسب التقرير، بيئة معلوماتية عالية التلوث بالتضليل، إذ ارتبط نحو 6 من كل 10 مواد بمواجهة ادعاءات أو محتوى ملتبس.
وأظهر التحليل أن “التضليل” تصدّر أنماط المحتوى غير الصحيح بنسبة 49٪، تلاه “الكذب” بنسبة 35.7٪. كما كان “التحريض” الهدف الأبرز لنحو نصف الادعاءات التي جرى التحقق منها، ما يشير إلى توظيف التضليل كأداة لتأجيج الاستقطاب وزرع الكراهية، يليه “التشويش” بنسبة 22.4٪.
وبيّن التقرير أن الجمهور العام كان الفئة الأكثر استهدافاً بالادعاءات (نحو 40٪)، متقدماً على السلطة (32.7٪) والمعارضة (19.4٪). كما تصدّرت “الفبركة الكاملة” قائمة آليات التضليل بنسبة 51٪، تلتها إعادة نشر محتوى في سياق غير مرتبط (28.6٪)، مع تسجيل حضور متزايد للمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي (8.2٪).
وعلى مستوى المنصات، احتل فيسبوك المرتبة الأولى من حيث انتشار الادعاءات (45.7٪)، يليه إكس (36.4٪)، فيما شكّلت تطبيقات المراسلة المغلقة مثل واتساب وتيليغرام تحدياً إضافياً لجهود الرصد.
وسلّط التقرير الضوء على حملات التضليل المرافقة للتوترات بين الجيش السوري و(قسد)، حيث عالجت المنصة 42 مادة ضمن تغطية تجميعية، توزعت بين 22 مادة مصنّفة كذباً و19 مادة تضليل، ومادة واحدة تلاعب بالحقائق.
كما أشار إلى تنامي دور المساعد الذكي للمنصة، الذي تعامل خلال الشهر مع 1970 محادثة من 1402 مستخدم، بينها 414 طلب تحقق حُوّلت إلى مهام لفريق العمل، ما يعكس، وفق التقرير، تزايد ثقة الجمهور بأدوات التحقق الرقمية.
وخلص التقرير إلى أن التضليل بات عاملاً موازياً للتطورات الميدانية والسياسية، داعياً إلى تعزيز أدوات التحقق، وتطوير محتوى مقاوم للتحريض، وتحسين آليات الوصول إلى الجمهور وتعزيز وعيه النقدي.
الاستنتاجات
يكشف تحليل بيانات شهر كانون الثاني/ يناير 2026 عن عدة اتجاهات رئيسة في مشهد المعلومات المضللة.
تُظهر معطيات التقرير أن البيئة المعلوماتية خلال كانون الثاني/ يناير 2026 اتسمت بكثافة عالية من التضليل، حيث شكّلت المواد الخاضعة للتحقق النسبة الأكبر من إنتاج منصة (تأكد)، في سياق سياسي وأمني متوتر رافقته موجات متسارعة من الادعاءات.
يشير التحليل إلى أن التحريض كان الأثر الغالب للتضليل، متقدماً على التشويش وكسب التفاعل، ما يعكس توظيف المعلومات المضللة كأداة للتأثير السلوكي وتأجيج الاستقطاب، وليس فقط لنقل معلومات غير دقيقة.
تكشف البيانات أن الجمهور العام كان الفئة الأكثر استهدافاً، متقدماً على السلطة والمعارضة، وهو ما يدل على سعي الجهات المضللة إلى تشكيل الرأي العام وتوجيهه خلال فترات التصعيد.
تبيّن أن الفبركة والتلاعب بالحقائق وإخراج المحتوى من سياقه شكّلت الآليات الأوسع استخداماً، إلى جانب حضور متزايد للمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى انتقال التضليل نحو أدوات أكثر تعقيداً تتطلب مهارات تحقق تقنية وبصرية متقدمة.
تؤكد النتائج أن منصات التواصل المفتوحة، ولا سيما فيسبوك وإكس، بقيت الساحة الرئيسة لانتشار الادعاءات، في حين تمثل تطبيقات المراسلة المغلقة بيئة أقل شفافية وأكثر قابلية لإعادة تدوير المحتوى المضلل.
على مستوى الأداء، يبيّن التقرير أن التحقق المفتوح المصدر (OSINT) شكّل الركيزة الأساسية لعمل المنصة، وأن المساعد الذكي أسهم في التقاط الادعاءات في مراحلها المبكرة، بما عزز سرعة الاستجابة وحدّ من اتساع انتشارها.
ويخلص التقرير إلى أن التضليل، بما فيه المحتوى المدعوم أو المولّد بالذكاء الاصطناعي، بات عاملاً موازياً للتطورات الميدانية والسياسية، يتصاعد مع كل توتر، ما يفرض استمرار تطوير أدوات الرصد والتحقق، وتعزيز المحتوى التفسيري الواقي للجمهور.
التوصيات
أولاً: للحكومة السورية
نشر بيانات رسمية دورية حول القضايا العامة والأحداث الأمنية.
ضمان الوصول إلى المعلومات عبر تبنّي قانون لحرية المعلومات، وتسهيل وصول الصحفيين والباحثين إلى السجلات والبيانات.
مكافحة خطاب الكراهية والتحريض بإصدار تشريعات واضحة تُجرّم التحريض الطائفي ونشر الروايات الملفقة التي تهدد السلم الأهلي.
إنشاء وحدة حكومية للرد على الشائعات تعمل بشفافية وتنسّق مع المؤسسات الإعلامية ومنصات التحقق.
التعاون مع منصات التحقق في توفير التصريحات والردود التي تساعد على دحض الشائعات المتعلقة بالشأن العام.
تعزيز السلامة الرقمية للعاملين في الإعلام عبر التدريب وآليات الحماية.
ثانياً: لوسائل الإعلام والصحفيين
ترسيخ ثقافة التحقق داخل غرف الأخبار.
الاستثمار في تدريب الصحفيين على أدوات التحقق الرقمية.
إسناد التغطيات الحساسة إلى صحفيين يمتلكون خبرة كافية بالسياق المحلي.
تعزيز الشفافية والتواصل المباشر مع الجمهور.
التعامل بحذر مع المحتوى المأخوذ من وسائل التواصل الاجتماعي.
تفعيل التعاون بين المؤسسات الإعلامية ومنصّات التحقق.
اعتماد خطاب إعلامي يراعي حساسية المرحلة ويحدّ من الاستقطاب.
وضع سياسات واضحة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.