استقبلت مدينة الحسكة مرشح "قوات سوريا الديمقراطية" لمنصب المحافظ، نور الدين أحمد (أبو عمر خانيكا)، فور عودته من العاصمة دمشق، بمراسم عسكرية وسياسية كشفت عن تساؤلات حول مخرجات الاتفاقيات المبرمة مع الحكومة السورية وبين الواقع الميداني المفروض.
ومع التغييب الواضح للرموز الوطنية السورية لصالح طغيان الرايات القومية والحزبية، برزت محاكاة واقعية لنموذج إقليم كردستان العراق في التعامل مع الرموز المركزية؛ حيث سيطرت الهوية البصرية لـ "الإدارة الذاتية" بشكل شبه كامل على أجواء الحدث، وسط توثيق لغياب العلم السوري الرسمي مقابل انتشار كثيف لأعلام "حزب الاتحاد الديمقراطي" (PYD)، والراية القومية الكردية، وشعارات "وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني".
أفادت مصادر محلية لمنصة "تأكد" بأن التحضيرات للاستقبال بدأت منذ ظهيرة يوم الأربعاء، حيث شهد "دوار الحمامة" في مدينة الحسكة انتشاراً واسعاً لمدرعات تابعة لـ "قسد" في الشوارع الرئيسية لتأمين مسار الموكب.
ومع وصول المرشح، رافقت الاحتفالات عمليات إطلاق نار كثيفة في الهواء تزامناً مع هتافات مثل "تحيا مقاومة روج آفا" و"تحيا كردستان".
أظهرت اللقطات المتداولة تفاعلاً مباشراً من "خانيكا" مع الحشود عبر رفعه "شارة النصر" الكردية، حيث ظهر محاطاً بشكل حصري بعناصر من القوات الخاصة (H.A.T) التابعة للأسايش، في ظل غياب تام لأي مفارز أمنية أو وحدات تابعة للجيش السوري.
أعطى هذا المشهد انطباعاً لدى سكان المدينة بأن سلطة المحافظ القادم تستمد شرعيتها وحمايتها من الأجهزة الأمنية المحلية حصراً، بعيداً عن الهياكل الأمنية التابعة لدمشق؛ وهو ما وصفه سكان محليون للمنصة بأنه تكريس لواقع يشابه ملامح النظام الفيدرالي في العراق.
دمج المؤسسات: مسار لـ "تثبيت المكتسبات" لا لإلغائها
أكد "خانيكا" في تصريحات صحفية أن تعيينه في منصب المحافظ يمثل ثمرة لاتفاق سياسي شامل يهدف إلى إنهاء حالة الازدواجية الإدارية، مشدداً على أن هذه الخطوة هي بداية لمرحلة "التكامل لا الإلغاء".
استهل "خانيكا" حديثه بالإعراب عن اعتزازه بالتواجد في مدينة الحسكة وبين أهلها، مؤكداً أن قدومه لتولي منصب المحافظ يهدف في المقام الأول إلى خدمة المواطنين وتلبية احتياجاتهم الملحة.
وشدد على أن أبواب المحافظة ستكون مفتوحة أمام جميع أبناء الحسكة بمختلف مكوناتهم وانتماءاتهم، دون أي تمييز، معتبراً نفسه خادماً للمنطقة وأهلها، وأن هدفه الأساسي هو العمل من أجل مصلحة الجميع.
وحول طبيعة الاتفاق الذي أفضى إلى تعيينه، أوضح أن التفاهمات الحالية تمثل مساراً سياسياً وإدارياً يهدف إلى استقرار المنطقة وتوحيد الجهود لتجاوز التحديات الراهنة.
وأشار إلى أن المرحلة القادمة ستتركز على الجوانب المدنية والخدمية، من خلال السعي لتحقيق "التكامل" بين المؤسسات القائمة والهياكل الرسمية، بما يضمن استمرارية تقديم الخدمات للمواطنين وتطويرها بشكل فعال ومستقر.
و أكد "خانيكا" أن القوى المحلية الموجودة على الأرض، بما في ذلك قوات الأمن الداخلي (الأسايش) وقوات سوريا الديمقراطية، هي جزء أساسي من منظومة الأمن وحماية المنطقة.
وأوضح أن التنسيق سيستمر لضمان الحفاظ على الاستقرار والمكتسبات التي تحققت، مشيراً إلى أن هذه القوات ستؤدي مهامها ضمن الأطر المتفق عليها، بما يعزز حالة الأمان ويحمي جميع المواطنين في المحافظة.
واختتم تصريحاته بالتركيز على أهمية التكاتف والتعاون بين كافة المكونات المجتمعية من عرب وكرد وسريان. ودعا الجميع إلى العمل بروح الفريق الواحد لمواجهة الصعوبات المعيشية والاقتصادية، مؤكداً أن الأولوية القصوى هي تحسين الظروف الحياتية وتوفير الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، والنهوض بواقع المحافظة لتكون نموذجاً للعيش المشترك والاستقرار.
لغة الخطاب مقابل واقع الديموغرافيا
واقتصرت تصريحات "أبو عمر خانيكا" الصحفية على اللغة الكردية فقط عبر القنوات الكردية، دون أن يوجه أي خطاب باللغة العربية، رغم أن المحافظة تضم أغلبية ساحقة من المكون العربي.
فوفقاً لتقرير حول التوزع الديموغرافي في الحسكة نشره (Atlantic Council) استناداً إلى بيانات إحصاء عام 2004، فإن المكون العربي يمثل الثقل السكاني الأكبر في معظم مناطق شمال شرق سوريا، لا سيما في المناطق الواقعة جنوب الطريق الدولي (M4). وتبرز مدينة الحسكة كمركز إداري ذي أغلبية عربية واضحة بقرابة 251,570 نسمة، في حين يتركز الوجود الكردي في الشريط الحدودي الشمالي.
ويخلص التقرير إلى أن نسبة الكرد السوريين لا تتجاوز 19% تقريبًا من إجمالي سكان المناطق الخاضعة لسيطرة "قسد"، مما يضع تعامل الإدارة الحالية أمام تساؤل حول الفجوة بين القيادة السياسية والتركيبة السكانية العربية التي تشكل الغالبية العظمى.
من هو أبو عمر خانيكا؟
نور الدين أحمد، المعروف بلقب "أبو عمر خانيكا"، هو مهندس وسياسي من مواليد مدينة القامشلي عام 1969. يحمل دبلوماً في الهندسة الميكانيكية والكهربائية من جامعة دمشق، وقد أمضى مسيرة مهنية طويلة كمهندس في مديرية الاتصالات بمحافظة الحسكة حتى عام 2012.
غادر عمله الرسمي بعد اندلاع الثورة في سوريا نتيجة نشاطه السياسي والملاحقات الأمنية التي تعرض لها آنذاك، لينخرط لاحقاً في العمل ضمن هياكل "الإدارة الذاتية" و"قوات سوريا الديمقراطية".
خلال العقد الأخير، برز "خانيكا" كشخصية قيادية للوساطة في ملفات أمنية وإدارية معقدة، حيث تولى مهاماً حساسة أبرزها إدارة سجن "علايا" في القامشلي.
كما نشط كمفاوض ومسؤول علاقات في الملفات المشتركة، مستفيداً من علاقاته الواسعة مع وجهاء العشائر في المناطق ذات الغالبية العربية، مما مكنه من لعب دور بارز في تهدئة النزاعات المحلية ومعالجة التوترات خلال انتفاضة العشائر العربية عام 2023.
صمت دمشق
رغم الضجيج الإعلامي والمراسم الميدانية في الحسكة، لا يزال موقف الحكومة السورية يتسم بالغموض التام؛ فحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لم تصدر دمشق أي تصريح رسمي يُقر بترشيح "خانيكا" أو قبول اسمه لشغل منصب المحافظ.
ويبقى تداول اسمه والاحتفاء بوصوله محصوراً في الوسائل الإعلامية الكردية وتلك الموالية لـ "قوات سوريا الديمقراطية"، دون أي تأكيد أو نفي من المنصات الرسمية التابعة للدولة السورية.
وفي مقابل هذا "التعيين الشعبي"، يظل الإجراء الرسمي الوحيد والموثق حتى الآن هو تعيين العميد مروان محمد العلي قائداً للأمن الداخلي في محافظة الحسكة، مما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول حقيقة تعيين "خانيكا" بمنصب المحافظ.