استكمالاً لجهود فريق منصة (تأكد) في كشف ملابسات المجزرة التي وقعت في شهر كانون الثاني/ يناير 2026 بريف عين العرب (كوباني)، والعمل على التحقق من أدلتها؛ تنشر المنصة الرواية الكاملة ووقائع أحداث السجن وما تلاها من عمليات تصفية ميدانية؛ استناداً إلى شهادة حصرية ومفصّلة أدلى بها أحد الناجين القلائل من عملية التصفية.
يأتي هذا التقرير ليقاطع الشهادات الحية مع التحقيق السابق، مقدماً توثيقاً دقيقاً لأحداث بدأت بمطالبة سجناء بالحرية، وانتهت بمواجهة الرصاص الحي في العراء.
خروج السجناء والاحتجاز الجماعي على طريق عين العرب
"مختار" أحد الناجين من المجزرة، وقد تحققت (تأكد) من هويته وأخفتها باسم مستعار حرصاً على سلامته، أفاد في شهادة خاصة قدمها للمنصة أن الأحداث بدأت في 19 كانون الثاني/ يناير 2026، حين سحبت إدارة السجن أجهزة التلفاز من المهاجع في سجن مدرسة قرية يدي قوي. وتزامن ذلك مع حالة من الضجيج والارتباك سادت بين السجناء بعد وصول أنباء عن صدور قرار "عفو" من النيابة لم يطبق فعلياً على الجميع، مما دفعهم في المهجع الثاني إلى إضرام النيران في البطانيات والإسفنجات وتحطيم المكيفات والأسرة احتجاجاً. وفي خضم هذه التطورات، كان قد صدر عفو فعلي شمل خروج ما يقارب 100 سجين من المكون الكردي فقط خلال يومي 19 و20 من الشهر.
عقب تصاعد الدخان، سهّلت "الإدارة المدنية" فتح أبواب المهاجع لتجنب حالات الاختناق، حيث جرى توزيع المهام بين السجناء؛ فتولى "المختار" فتح المهجع السادس، بينما فتح سجين آخر يدعى "محمود" المهجع الثامن، وفتح ثالث يدعى"حمزة" المهجع الرابع.
وخرج إثر ذلك ما بين 300 إلى 400 سجين سلكوا طرقاً برية وعرة، حيث انقسموا إلى مجموعات توجهت إحداها نحو (صرين)، بينما توجهت أخرى تضم نحو 30 شخصاً باتجاه (عين العرب).
وعلى مسافة قدّرها الشاهد بنحو 1.5 كم من السجن، وفي منطقة مكشوفة، اعترضت طريق السجناء الفارين خمس سيارات عسكرية من نوع (بيكاب) وسيارات H1 قادمة من جهة عين العرب، وبدأ العناصر الذين تقلّهم السيارات بإطلاق النار؛ أولاً في الهواء لترهيب مجموعة السجناء، ثم انتقلوا للاستهداف المباشر والتصويب تجاه المجموعة، وذلك عند الساعة التاسعة ليلاً.
ووفق الشاهد، أسفر هذا الاستهداف المباشر في مرحلته الأولى عن مقتل ما بين 4 إلى 5 أشخاص، بالإضافة إلى وقوع إصابات بالغة بين أفراد المجموعة نتجت عن تسديد العناصر طعنات بالسكاكين، وكان من بين المصابين شخص يدعى "بشار". بينما استمر البقية بالركض في حالة من الذعر حتى اصطدموا بحاجز عسكري، حيث بدأت فصول جديدة من الاحتجاز والفرز الميداني.
وقد أكد "مختار" في شهادته أن الضحايا المستهدفين كانوا من المدنيين الذين يقضون أحكاماً تتراوح ما بين سنة إلى ثماني سنوات، وكان أغلبهم قد أمضى معظم محكوميته بالفعل. فعلى سبيل المثال، أمضى الشاهد قبل وقوع الأحداث ثمانية أشهر من أصل محكوميته البالغة سنة واحدة.
المرحلة الثانية: المواجهة الجماعية والفرز الميداني
عند وصول السجناء الفارين إلى الحاجز العسكري، احتُجز معظم السجناء الفارين، حيث أُجبروا جميعاً على الاستلقاء على الطريق الإسفلتي، وجرى تقييدهم وتصويرهم تحت تهديد السلاح.
وتهيأ العناصر لإطلاق النار على المجموعة بالكامل لتصفيتهم ميدانياً، إلا أن تدخل عناصر من النساء العسكريات حال دون وقوع المجزرة؛ حيث بدأن مشادةً مع العناصر وسمع السجناء شتائم متبادلة باللغة الكردية بينهنّ وبين من أرادوا القتل. وترافق ذلك مع وصول مسؤول الإدارة المدنية ويُدعى (عبد الباري)، الذي أقنع السجناء بالعودة للمبيت في السجن تحت مسؤوليته لضمان سلامتهم.
عقب العودة إلى السجن، بدأت القوات عملية فرز دقيقة للسجناء بناءً على تبعية محاكمهم المناطقية؛ حيث طُلب من التابعين لمحكمتي (عين العرب وصرين) الوقوف في جهة، والتابعين لمحكمتي (الرقة والطبقة) في جهة أخرى.
وبينما سُمح لأبناء المناطق القريبة (عين العرب وصرين) بالمغادرة، عُزل حوالي 75 شخصاً من أبناء الرقة والطبقة داخل السجن حتى تاريخ 22 كانون الثاني/ يناير، وهو اليوم الذي مُنحوا فيه "إخلاءات سبيل" ليغادروا السجن مشياً على الأقدام باتجاه (صرين)، وفقاً لما أفاد به الشاهد "مختار".
ورقة إخلاء سبيل منحت للشاهد (تم إخفاء البيانات الشخصية)
وفي مسار موازٍ، يقول "مختار" أن المجموعات المتوجهة نحو (صرين) واجهت نقاطاً تابعة لقوات "الكوماندوس"، حيث تبدل خطاب العناصر بشكل جذري ليأخذ طابعاً قومياً (عربياً - كردياً) مشحوناً بالإهانات والاتهامات بالخيانة.
ويضيف الشاهد أنه على الرغم من مزاعم العناصر بوجود قرار "إخلاء سبيل"، إلا أنهم باشروا بالاعتداء على السجناء؛ حيث تعرض أربعة أشخاص للطعن المباشر فور وصولهم عند الساعة التاسعة ليلاً. وفي خضم تلك الفوضى، أسعف شخص يُدعى (محمد علي خلف) اثنين من المصابين نحو المشفى العسكري، في محاولة لإنقاذ حياتهم، مع غياب تقديم أي رعاية طبية رسمية.
اختتمت هذه المرحلة عند الساعة الحادية عشرة ليلاً، حين استقل سجين يُدعى "مهند"، برفقة شخص يلقب بـ"عرب" وسجينين آخرين، سيارة مدنية أُوقفت لهم لنقلهم.
يقول "مختار" إن عمليات القتل لم تكن مجرد إجراء لمنع الفرار، بل غلب عليها الطابع الانتقامي والفرز القومي المشحون بالإهانات؛ حيث وجهت القوات العسكرية عبارات صريحة للسجناء مثل: "أنت ذاهب للموت في كل الأحوال". وأوضح أن الشاب "محمد علي خلف"، الذي بدأ بإسعاف الجرحى، انقطع أثره لاحقاً في ظروف تؤكد تصفيته. أما "مهند" كان هو الشاهد الذي التقى "مختار" عند الحاجز وأبلغه أن المجموعة التي كانت برفقته "جرت تصفيتهم جميعاً" فور وصولهم لنقطة التفتيش.
الاختفاء القسري عند "محطة الوقود" وتوثيق الضحايا
أفاد "مختار" بأن السجناء الذين أُطلق سراحهم واجهوا واقعاً ميدانياً مجهولاً، حيث كانوا يفتقرون لأي دراية بالوضع الأمني في الخارج بسبب قضائهم فترات طويلة داخل السجن.
وعند الساعة الثانية ظهراً من يوم 22 كانون الثاني/ يناير، وصلت مجموعة تضم الشاهد وآخرين إلى محطة وقود تقع على يسار الطريق بعد مسافة تقارب 2 كم من نقطة انطلاقهم.
وبحسب الشاهد، دخل أربعة أشخاص إلى المحطة بينما بقي أربعة آخرون في الخارج، إلا أن المجموعة التي دخلت اختفت تماماً دون أثر، ولم يرد ذكرهم من العاملين في المحطة بأي شيء لاحقاً.
وفي خضم هذه الملاحقات الأمنية، يقول "مختار" إن المجموعة تفرّقت في محاولة للنجاة؛ حيث تمكن أحد أفرادها، ويدعى (حسن أبو خليل) من الوصول إلى منطقة القبة، بينما توجه آخرَين اسمهما (فراس عيسى العبد) و(عيسى الهوس) نحو مدينة (منبج) في اليوم التالي.
أما "المختار"، فقال إنه احتمى بمدجنة في منطقة (تل غزال) لفترة وجيزة، قبل أن تنقله سيارة نقل أثاث منزلي في اليوم التالي، إلى منطقة (الجرنية) بريف الرقة، ليكون أحد الشهود القلائل على تلك الأحداث.
وفي جرد نهائي للضحايا بناءً على مشاهداته ومطابقة الملابس، أكد الشاهد "مختار" مقتل 5 أشخاص عدد أسماءهم وفق التالي: (محمود عبد الله العايد - أبو حلب - عصام - عباس الحسين - أبو خميس).
وقد قدّر "مختار" العدد الكلي لضحايا تلك الأحداث بما بين 40 إلى 45 شخصاً، مشيراً إلى أن الرقم يتجاوز بكثير عدد الجثث في التسجيلات المصورة المتداولة، والتي أظهرت 21 جثة.
ويرجح "مختار" أن الفارق في أعداد الضحايا يعود للمفقودين الذين انقطع أثرهم عند محطة الوقود، أو لمصابين آخرين جرت تصفيتهم في مواقع مختلفة دون توثيق مباشر.
تدارك خطأ
على الرغم من التحليل الجيومكاني السابق الذي أجراه فريق منصة (تأكد)، والذي حدد موقع الواقعة عند الإحداثيات (36°42'57.0"N 38°14'53.0"E)، إلا أن شهادة "مختار" الميدانية وبالتعاون مع الصحفي السوري أحمد السخني قدّمت تحديداً أكثر دقة لمسرح المجزرة. وبحسب وصف الشاهد المباشر وتحديده الموقع الجغرافي، يكون الموقع الفعلي للواقعة عند الإحداثيات (36.775767, 38.307776) في ريف عين العرب (كوباني) قرب صوامع (روفي).
ويأتي هذا التحديد الميداني ليصوّب التحديد السابق الذي أوردته (تأكد) في تحقيقها، حيث يُرجح أن نقطة تجميع الجثث والإعدام الميداني في هذا الموقع الدقيق الذي أشار إليه الشاهد، والذي يتميز بوجود الحافة الصخرية (السور الحجري)، ولكن بموقع جغرافي يختلف عما رُصد أولياً عبر صور الأقمار الصناعية، وتعتبر المنصة أن هذا التصحيح المعتمد على شهادة أحد الناجين يمثل المرجع الأدق لتوثيق الجريمة في سياقها المكاني الصحيح.
توثيق أسماء ضحايا
نعت صفحة محلية تحمل اسم "رادار صرين" مجموعةً من الشباب وهم: إسماعيل الحساني (ابو حلب) من قرية القبة، وعباس محمد الحسين من قرية العبدكلية بصرين، يتقاطع هذين الاسمين مع ما ورد في شهادة "مختار"، دون أن يتسنّ لمنصة (تأكد) الحصول على المزيد من الأدلة التي تؤكد هوية الضحيتين.
في حين نعت الصفحة أسماءً إضافية لم ترد في قائمة الشاهد، وهي: عيسى عبود السلوم من منطقة الجرنية، وبشار حميد العويد من قرية الأصيلم التابعة لسلوك بالرقة، والذي يُشتبه أن يكون هو ذاته "بشار" الذي تحدث "مختار" في شهادته عن تلقيه طعنات، ولم يتسنّ لمنصة (تأكد) كذلك التحقق من هوية هاتين الضحيتين.