
ما حقيقة اشتباك الأمن ومسلحين بحي البياضة في حمص؟
تحقق فريق منصة (تأكد) من المقطع المتداول وخلص إلى أن الادعاء المرفق به مضلل، إذ أظهر التحقق أنه يعود لنزاع عائلي مسلح إثر خلاف في حفل زفاف وتطور إلى مواجهات مسلحة.


بعد إسقاط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ومع إعادة بناء مؤسسات الشرطة والأمن بقيت معاملة الموقوفين أحد الاختبارات الأساسية لمدى قدرة المؤسسات الجديدة على وقف ممارسات ارتبطت لعقود بمراكز الاحتجاز السورية.
ورغم إعلان السلطات السورية إجراءات لمحاسبة عناصر ارتكبوا انتهاكات، وصدور تعليمات تؤكد صون حقوق الموقوفين، ظهرت خلال الفترة الماضية حالات وشهادات أثارت تساؤلات بشأن ظروف معاملة بعض المحتجزين، كان أحدثها قضية الشاب محمد حسام الدين غميرة في مدينة الحفة بريف اللاذقية.
نقل ناشطون، في 14 آب/ أغسطس 2026، عن عائلة الشاب محمد حسام الدين غميرة رواية بشأن تدهور حالته الصحية خلال فترة توقيفه في قسم شرطة الحفة، على خلفية ادعاء يتعلق بمبلغ مالي.
وبحسب الرواية المنقولة عن شقيقه، كان غميرة، المصاب بمرض "الناعور" الذي يؤثر في قدرة الدم على التخثر، بحالة صحية مستقرة وواعياً وقادراً على الكلام قبل توقيفه. وتقول الأسرة إن زوجته أبلغت المسؤولين منذ اليوم الأول بإصابته بالمرض واستعدادها لتقديم تقارير طبية تثبت ذلك، بينما لم تتمكن العائلة من زيارته خلال ثلاثة أيام، وكانت تتلقى جواباً بأنه "قيد التحقيق".
وتقول الأسرة إنها علمت لاحقاً بوجوده في مشفى الحفة، وإنها تسلمته قرابة الساعة 11:30 ليلاً وهو يعاني نزيفاً في ساقه وتدهوراً صحياً، فنقلته إلى المشفى الوطني، قبل أن تتفاقم حالته وينقل إلى مشفى تشرين الجامعي.
وبحسب رواية العائلة، أظهرت الفحوصات إصابته بنزيف دماغي، قبل أن يفقد القدرة على الكلام والوعي، فيما توقف قلبه ثلاث مرات وأعيد إنعاشه، وما يزال، وفق العائلة، في حالة صحية حرجة.
ولا تكفي هذه المعطيات وحدها لإثبات تعرض غميرة للتعذيب أو تحديد السبب المباشر للنزيف الدماغي، خصوصاً مع إصابته المسبقة بالناعور، ما يجعل نتائج الفحوص الطبية والتحقيق الرسمي ضرورية لتحديد ما جرى خلال فترة توقيفه.
وفي ذات اليوم، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية فتح تحقيق في ملابسات توقيف غميرة في قسم شرطة الحفة، للوقوف على مجريات القضية والإجراءات التي اتُخذت بحقه خلال فترة التوقيف.
وقالت القيادة، في بيان نقلته "الإخبارية السورية"، إن التحقيق يشمل التحقق من ظروف التوقيف ومدى توافق الإجراءات المتخذة مع الأصول القانونية المعتمدة، إضافة إلى مراعاة وضعه الصحي باعتباره مصاباً بمرض الناعور، واتخاذ ما يلزم لضمان حصوله على الرعاية الطبية المناسبة.
وأكدت أن "سلامة الموقوفين وحقوقهم وكرامتهم مصونة وفق القانون"، وأن أي تجاوز يثبت وقوعه خلال إجراءات التوقيف أو التحقيق سيُتخذ بحقه الإجراء القانوني المناسب.
لكن قضية غميرة ليست الأولى التي تطرح تساؤلات بشأن معاملة المحتجزين بعد سقوط النظام المخلوع.
ضمن تقريرها السنوي عن عام 2025، المنشور في 1 كانون الثاني/ يناير 2026، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنها وثقت مقتل 3666 شخصاً في سوريا خلال العام.
وبحسب توزيع المسؤولية الذي أوردته الشبكة، نسبت مقتل 73 مدنياً إلى قوات الحكومة السورية، بينهم ثمانية أطفال وست سيدات، إضافة إلى 16 شخصاً صنفتهم الشبكة ضمن من توفوا تحت التعذيب.
نشرت الشبكة تقريراً عن وفاة ثلاثة معتقلين بعد توقيفهم من قبل عناصر مديرية الأمن العام في حمص وريفها، وذلك في 3 شباط/ فبراير 2025.
كان أولهم محمد لؤي محمد طلال طيارة، من حي الإنشاءات في حمص، الذي اعتُقل في 29 كانون الثاني/ يناير 2025 ونُقل إلى مركز احتجاز كان يستخدمه حزب البعث سابقاً. وفي اليوم التالي، أُبلغت أسرته بوفاته، وقالت الشبكة إن جثمانه حمل آثار تعذيب شديد.
وتكتسب هذه القضية أهمية لوجود إقرار رسمي بوقوع تجاوزات؛ إذ أعلنت مديرية الأمن العام في 1 شباط/ فبراير في بيان لـ"سانا" أن عناصر مسؤولين عن نقل طيارة ارتكبوا "تجاوزات" أدت إلى وفاته، وأن المتورطين أوقفوا وفتح تحقيق بإشراف النيابة العامة.
أما رضوان حسين محمد، من قرية الشنية بريف حمص الغربي، فاعتُقل في 25 كانون الثاني/ يناير، وتسلمت عائلته جثمانه بعد خمسة أيام. وقالت الشبكة إنه كان بصحة جيدة عند توقيفه، بينما ظهرت على جثمانه آثار تعذيب وإصابات بطلقات نارية في الرأس.
وفي الحالة الثالثة، اعتُقل بدر محيي صقور، من قرية الكنيسة، في 22 كانون الثاني/ يناير، قبل أن تتسلم أسرته جثمانه في 1 شباط/ فبراير. وذكرت الشبكة أنه كان بصحة جيدة عند اعتقاله، بينما ظهرت على جسده آثار تعذيب وإصابات بالرصاص.
وثقت الشبكة أيضاً حالة حافظ يوسف الطويل، من قرية باروحة في ريف حمص الغربي، الذي اعتقلته قوات الأمن الداخلي في 1 حزيران/ يونيو 2025 بعد مداهمة منزله.
وبعد خمسة أيام، أبلغت أسرته بوفاته وتسلمت جثمانه. وقالت الشبكة إن آثار تعذيب كانت ظاهرة على الجسد، وإن المعلومات التي جمعتها أشارت إلى أنه كان بصحة جيدة عند توقيفه، ما دفعها إلى نسب وفاته إلى التعذيب والإهمال الطبي.
وتوفر هذه الحالات تفاصيل اسمية لبعض الوقائع الداخلة ضمن حصيلة الشبكة البالغة 16 وفاة تحت التعذيب خلال 2025، بينما لم تنشر الشبكة في التقارير المفتوحة تفاصيل كاملة عن جميع الحالات الواردة في الرقم السنوي.
أفادت وكالة "رويترز" في تحقيق استقصائي موسع في 22 كانون الأول/ ديسمبر من العام الفائت، حول منظومة الاحتجاز في سوريا بعد سقوط الأسد، استند إلى مقابلات مع أكثر من 140 سورياً، بينهم معتقلون سابقون وأقارب موقوفين ومحامون ومصادر أخرى.
جمعت الوكالة أسماء 829 شخصاً على الأقل احتُجزوا لأسباب أمنية خلال السنة الأولى بعد سقوط النظام، وقالت إن العدد الحقيقي يرجح أن يكون أكبر، كما رصدت إعادة استخدام 28 سجناً ومركز احتجاز كانت مستخدمة خلال عهد الأسد.
وقال 40 معتقلاً سابقاً أو فرداً من عائلات محتجزين للوكالة إنهم تعرضوا أو شهدوا إساءة معاملة وصلت في بعض الحالات إلى التعذيب، فيما وثقت رويترز 11 وفاة على الأقل أثناء الاحتجاز.
ومن أبرز الشهادات مزارع خمسيني من ريف حمص قال إنه اعتُقل مع ابنه المراهق في آذار/ مارس 2025، وأخضع لطريقة "الدولاب" وتعرض للضرب حتى النزف، ثم أعيد اعتقاله وضرب حتى فقد الوعي، وقدم الرجل للوكالة صوراً لإصاباته، فيما أكد رجل دين يتوسط مع الأجهزة الأمنية أجزاء من روايته.
وفي اللاذقية، قال شاب اعتُقل في 9 آذار/ مارس إنه تعرض للضرب والتنقل بين عدة مراكز احتجاز، والتعليق من كاحليه ووضع مسدس في فمه، وقالت رويترز إنها لم تستطع التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل، لكنها وجدت أن نمط الانتهاكات الذي وصفه يتشابه مع روايات ثمانية معتقلين سابقين آخرين على الأقل.
كما تحدث معتقل سابق عن تعرضه للجلد بالكابلات في مركز احتجاز بالمزة قبل نقله إلى كفرسوسة، حيث قال إنه شاهد موقوفين يعودون من التحقيق بإصابات شديدة، وبعضهم غير قادر على المشي.
تضمن تحقيق رويترز رداً من الحكومة السورية قالت فيه إن إعادة بناء المؤسسات الأمنية والقانونية بعد سقوط الأسد أوجدت فراغات أدت في بعض الحالات إلى مخالفات للسياسات المعتمدة.
وكشفت الحكومة أن 75 عنصراً أمنياً عوقبوا بسبب حوادث عنف بحق معتقلين، و84 آخرين بسبب وقائع ابتزاز مرتبطة بالموقوفين.
وفي الوقت نفسه، أشارت رويترز إلى أن الانتهاكات التي وثقتها لا تقارن من حيث الحجم والنطاق والوحشية بمنظومة الاعتقال والتعذيب التي كانت قائمة في عهد الأسد ووالده.
يُعد حظر التعذيب من الالتزامات القانونية الصريحة المفروضة على السلطات السورية، إذ انضمت سوريا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في 19 آب/ أغسطس 2004.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية على اتخاذ الدول إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية فعالة لمنع التعذيب، وتؤكد أن الحرب أو الاضطرابات السياسية الداخلية أو حالات الطوارئ وغيرها من الظروف الاستثنائية لا يمكن استخدامها مبرراً للتعذيب، كما لا يمكن الاحتجاج بأوامر صادرة عن مسؤول أعلى لتبريره.