
هذا الفيديو ليس لمظاهرات في الرقة تطالب بإسقاط الحكومة الحالية
تداولت صفحات مقطع فيديو زعمت أنه يوثق مظاهرات في محافظة الرقة تطالب بإسقاط النظام وضد سياسات الحكومة الحالية، إلا أن الادعاء مضلل.

لم تعد معاناة السوريين ومآسيهم الإنسانية حكايات توثقها التقارير الحقوقية، بل تحولت في كواليس الفضاء الرقمي إلى مادة خام تُقاس كفاءتها بمعدلات المشاهدة وأرباح الإعلانات.
خلف الكاميرات التي تدعي رصد الشارع السوري بعفوية ونقل نبضه الإنساني، يُسلع الألم، مستخدماً سيناريوهات معدة سلفاً وشبكات من الكومبارس المأجورين.
من برامج المسابقات الخدمية المضللة، وصولاً إلى فبركة شهادات حول فظائع الاعتقال وسجن صيدنايا، تكشف الشهادات المتقاطعة لعاملين وفنيين سابقين في هذه المنصات عن بنية إنتاجية ومالية صارمة تتاجر بالبؤس وتصنع "الترند" من أوجاع الضحايا الحقيقيين.
تحولت عملية تصوير المواد الميدانية، كالتجارب اجتماعية والمقابلات إنسانية، من عفوية مفترضة في الشارع إلى آلية تخطيط مسبقة.
يوضح "عمر"، وهو أحد العاملين السابقين في إنتاج الأفكار وإعداد المحتوى لصالح هذه المنصات، أن البرامج التي تُقدّم للجمهور على أنها رصد تلقائي لردود أفعال المارة، تُبنى في الحقيقة على سيناريوهات ومخططات مكتوبة بالتفصيل، حيث يحدد هذا السكريبت المسبق دور مقدم البرنامج، والأسئلة الموجهة، وطبيعة المواقف والمخرجات الدرامية المطلوبة من الأطراف المشاركة بالتنسيق الكامل مع طاقم الإخراج والمعدين.
وتمتد لتشمل معايير فرز وتصنيف دقيقة تعتمدها المنصات عند اختيار الأشخاص العفويين في الميدان؛ إذ يذكر "عمر" أن التقييم لا يرتبط بمدى مصداقية الرواية، بل يركز على مواصفات محددة كالمنظر الملفت، أو الفقر الصارخ لاستدرار عواطف الجمهور، إلى جانب القدرة العالية الارتجال لتأدية الدور دون ارتباك وبما يضمن تحقيق أعلى نسبة مشاهدات وتفاعل رقمي.
وفي هذا السياق، تؤكد "كريستين"، التي تشغل موقعاً في الإنتاج التنفيذي لإحدى هذه المنصات، أن طواقم العمل كثيراً ما تواجه حالات يقرّ فيها المارة الحقيقيون في منتصف الحديث بأن قصصهم محض اختلاق وكذب خطرت في بالهم للحظة عابرة، إلا أن إدارات المنصات لا تبالي بمدى مصداقية تلك الروايات، بل تكتفي بأخذ إذن سريع من الشخص لنشر المادة فوراً دون إجراء أي فحص للهوية أو حذف المقاطع الكاذبة في حال طُلب منهم ذلك.
ونتيجة لسياسة النشر الفوري للمحتوى غير المتحقق منه سعياً وراء "الترند"، تحولت هذه المقاطع إلى مصدر للأضرار الاجتماعية الحقيقية، مسببةً لأصحابها بعد انتشارها مشاكل حياتية وعائلية بالغة التعقيد في بيئاتهم المحلية.
كثيراً ما يعترف لنا المارة في منتصف التصوير بأن قصصهم كذب واختلاق، لكن الإدارة لا تبالي بالمصداقية؛ بل تأمرنا بأخذ إذن سريع ونشر المادة فوراً لركوب "الترند" دون أي تحقق، وترفض تماماً حذف المقاطع الكاذبة حتى لو توسل أصحابها لاحقاً وتسببت لهم بمشاكل عائلية."كريستين"، منسقة إنتاج لإحدى هذه المنصات
وصل الاعتماد على السيناريوهات المصنوعة سلفاً من برامج الترفيه والمقابلات العامة ليصل إلى القضايا الحقوقية والإنسانية الأكثر حساسية، وفي مقدمتها ملف معتقلي سجن صيدنايا الناجين، حيث تحولت فظائع التعذيب وأوجاع عائلات المغيبين إلى مادة لـ "الترند".
ويفصّل "زاهر"، وهو مونتير سابق في هذه المنصات، طبيعة المواد المنشورة حول هذا الملف مؤكداً أن قسماً كبيراً من قصص صيدنايا والاعتقال التي تمر عبر شاشات تلك الجهات هي محض كذب وتزييف كامل يجري إعداده لغايات تجارية.
ويكشف "زاهر" من واقع عمله التقني على المواد الخام (الراشز) قبل قصها، أن فبركة ملف صيدنايا تتم عبر مسارين؛ الأول يتعلق بأشخاص عاديين يرتجلون روايات وهمية ومبالغ فيها عن ممارسات السجن والتعذيب وأساليب التحقيق من تلقاء أنفسهم بقصد الشهرة وتحقيق ظهور إعلامي صاخب، حيث يظهرون في المادة الخام خلف الكواليس وهم يضحكون أو يصححون التواريخ والأسماء المفبركة وأسماء الضباط بعد توقيف الكاميرا نتيجة خلطهم في التواريخ والأحداث التاريخية المعروفة للسجن.
أما المسار الثاني، وهو الأكثر خطورة بحسب زاهر، فيتعلق بالاستعانة بكومبارس (فيكات) يتقاضون أجوراً مالية محددة ويُسلّمون "سكريبت" مكتوباً بعناية يحتوي على تفاصيل دقيقة ومؤثرة لقصص اعتقال مزعومة، وطرق خروج مفبركة، وشهادات وهمية عن حالات الإعدام أو التعذيب داخل الزنازين.
كلنا نعلم كمونتيرية أن المشاهد التي تُعرض في هذه المنصات على أنها لشهادات معتقلي صيدنايا، والقصص التي تدور حولها ضمن هذه المنصات، هي مفبركة بشكل كامل وليست صحيحة.زاهر، مونتير سابق عمل مع عدة منصات نشطة على مواقع التواصل الاجتماعي
ويتولى المخرج بعد ذلك إدارة الكومبارس، وإعادة تصوير المشهد وتلقين الشخص العبارات والطبقات الصوتية الحزينة أكثر من مرة أمام الكاميرا لضبط الأداء الدرامي، وإجبار الكومبارس على البكاء المصطنع عند مواضع محددة في السيناريو لاستدرار عواطف الجمهور، ومن ثم يقوم المونتير بحذف هوامش التلقين والإعادة لإخراج شهادة مزيفة تبدو حقيقية ومؤثرة لرفع معدلات المشاهدة والتفاعل.
ويشير زاهر في شهادته لمنصة (تأكد) إلى أن هذه البرامج والتجارب ليست عبارة عن مصادفات، بل يجري ترتيبها وتصنيعها بالكامل عبر وسيط يتولى توزيع الأدوار على الممثلين المأجورين وتحديد مسارات حركتهم وتفاعلهم مع مقدم البرنامج، ليتولى المونتير في المرحلة اللاحقة تقطيع المشاهد وإعادة تركيبها لحذف لقطات الخطأ والارتباك، وإخراج المادة النهائية بالشكل الذي يقنع الجمهور بأن ما يشاهده هو واقع عفوي وصادق، بينما الحقيقة هي التزام كامل بنص تمثيلي متفق عليه خلف الكاميرا.
خلف الكواليس، نتلقى تعليمات إخراجية في المونتاج لقص وتركيب المقاطع بهدف جعل المشهد مؤثراً، منطقياً، وواقعياً إلى أقصى درجة، وضمان إخفاء أي تفصيل قد يظهر للجمهور كمادة تمثيلية.زاهر، مونتير سابق عمل مع عدة منصات نشطة على مواقع التواصل الاجتماعي
تعتمد البنية اللوجستية لتأمين الممثلين المأجورين على شخصية محورية في الكواليس تُعرف باسم "مدير الفيكات"، وهو وسيط ميداني يمتلك شبكة علاقات واسعة مع أفراد وأشخاص تتوافق ملامحهم وظروفهم مع الحالات الاجتماعية أو الإنسانية التي ترغب المنصة في تصويرها.
ووفقاً للمعلومات المتطابقة التي قدمها لمنصة (تأكد) كل من زاهر ومونتير سابق آخر يعمل مع هذه المنصات يدعى "محمد"، فإن هذا الوسيط لا يعمل بشكل عشوائي، بل يدير عملية سمسرة تجارية منظمة مع مدير المنصة، حيث يتم الاتفاق بينهما على "مبلغ مقطوع" لقاء تأمين عدد محدد من الأشخاص وتوزيع الأدوار عليهم بما يتطابق مع متطلبات النص المكتوب، ليتولى الوسيط بعد ذلك عملية "المبازرة" المالية مع هؤلاء الأشخاص، بهدف تقليل أجورهم والحصول على الفارق المالي الأكبر لنفسه كعمولة سمسرة.
العملية تشبه "التجارة بالبشر" حيث يتولى "مدير الفيكات" عمليات بيع وشراء هؤلاء الأشخاص، والمساومة على قيمتهم المادية وعلى طريقة ظهورهم أمام الكاميرا ومساره، في نشاط قائم بالكامل على مبدأ السمسرة والاستغلال.محمد، مونتير سابق عمل مع عدة منصات نشطة على مواقع التواصل الاجتماعي
إذ كان الشخص المأجور يتقاضى قبل سقوط نظام الأسد مبلغاً ثابتاً يُقدر بـ 30 ألف ليرة سورية للمشهد الواحد، ومع التحول السياسي والاقتصادي اللاحق، ارتفع أجر الكومبارس المعروف باسم "الفيك" ليصبح 50 ألف ليرة سورية كقاعدة عامة، مع وجود حالات خاصة ومحددة قد يصل فيها الأجر إلى 75 ألفاً أو 100 ألف ليرة سورية، وذلك تبعاً لتعقيد الدور وحجم الأداء الدرامي المطلوب منه أمام الكاميرا.
وتتركز طريقة السمسرة الجماعية أو "المبازرة" بشكل أساسي في برامج المقالب والمسابقات، حيث يطلب المخرج أو مدير المنصة من السمسار تأمين مجموعة من الوجوه بأسعار مخفضة، مثل جلب 3 أشخاص (فيكات) وتصويرهم مقابل مبلغ إجمالي واحد لا يتجاوز 50 ألف ليرة سورية، مستغلين في ذلك الحاجة المادية والظروف المعيشية الصعبة للأفراد لتغذية صناعة "الترند" بأقل التكاليف الإنتاجية الممكنة.
تنعكس هذه المنظومة الإنتاجية بشكل مباشر على البرامج الميدانية الخدمية؛ وتوضح "كريستين" الجانب التنفيذي لهذه العملية في برامج الأسئلة الدينية والشارع، إذ تعمد الطواقم إلى إيقاف نحو 10 حالات من المارة الحقيقيين في البداية وتوجيه سؤال أول سهل لهم، يتبعه فوراً سؤال ثانٍ تعجيزي لضمان خسارتهم واستبعادهم من نيل الجائزة وحماية ميزانية البرنامج المادية.
وفي حال نجاح أحد الأشخاص في تخطي الفخ والإجابة على السؤال التعجيزي، يصدر القرار مباشرة من الإدارة لحذف المادة المصورة بالكامل (الراشز) وكأن المقابلة لم تحدث، وذلك تملصاً من دفع القيمة المالية المخصصة للجائزة.
وبناءً على شهادتي "كريستين" و"محمد"، فإن الجائزة لا تذهب في نهاية المطاف إلا لشخص يجري التنسيق معه وتلقينه الإجابة الصحيحة مسبقاً قبل تشغيل الكاميرا، حيث يظهر أمام الجمهور كفائز عابر ذي ظروف صعبة يحمل ظرف المكافأة لاستجداء عواطف وتفاعل المتابعين.
وفور انتهاء التصوير وإطفاء الكاميرات، يتم سحب ظرف الجائزة المالي من الشخص، ولا يُمنح سوى مبلغ رمزي كأجر لقاء التصوير لا يتجاوز 30 ألف ليرة سورية في برامج الأسئلة بدلاً من المبلغ المزعوم في التصوير والذي يبلغ في بعض الأحيان 100 ألف ليرة سورية، وتجرب هذه العملية بعلم ورضا الشخص المدفوع له.
هذا السيناريو ينطبق تماماً على البرامج الاجتماعية المخصصة لإعانة الفقراء بحسب "كريستين"، كحالات تصوير طفل يعمل في الشارع أو بائع متجول بسيط، حيث يوجّه مقدم البرنامج له وعوداً أمام الكاميرا بتقديم مبالغ تكفيه لترك الشارع أو فتح مشروع جيد يعينه على إكمال دراسته, ويُسلم ظرف الجائزة وسط أجواء درامية مفبركة.
وتؤكد "كريستين" أن محتوى الظرف الحقيقي خلف الكاميرا لا يتعدى مبلغاً رمزياً قيمته دولار واحد فقط أو 50 ألف ليرة سورية، مما يحول المساعدات الإنسانية المفترضة إلى مادة تمثيلية منخفضة التكلفة الإنتاجية ومدرّة للأرباح الرقمية الصافية لصالح أصحاب هذه المنصات.
تُحيط بالمنظومة الإنتاجية في هذه المنصات بنية إدارية وقانونية صارمة، تهدف إلى حماية سرية آليات العمل ومنع تداول كواليس الفبركة خارج نطاق القائمين عليها.
ويكشف كل من محمد وكريستين وزاهر عن فجوة حادة بين أرباح المنصات الناتجة عن ملايين المشاهدات وبين الأجور الممنوحة للكوادر المشغلة؛ إذ لا تتعدى رواتب مقدمي البرامج والمذيعين 100 إلى 150 دولاراً أمريكياً في أحسن الأحوال، في حين تتراوح رواتب موظفي المونتاج والتصميم والجرافيك بين 200 و300 دولار أمريكي شهرياً، وهي أجور تُعد منخفضة مقارنة بالعائدات الإعلانية الرقمية الصافية التي تجنيها الإدارات من المنصات العالمية.
ولضمان عدم تفكك هذه الآلية الإنتاجية أو تسرب تفاصيلها للرأي العام، يعمل أصحاب هذه المنصات كحلقة مغلقة تعتمد على تدوير الموظفين والفنيين فيما بينهم؛ حيث توضح الشهادات وجود تنسيق مبطن يهدف إلى احتواء الكوادر ذات الخبرة بآليات "الفيكات"، وتقديم إغراءات مادية أو وعود بالترقية أو إنتاج برامج خاصة بهم لمنعهم من ترك العمل أو الانتقال إلى جهات إعلامية مستقلة.
و مع هذا الاحتواء الإداري تأتي إجراءات قانونية ملزمة، حيث تُجبر المنصات كوادرها ومقدميها على توقيع عقود قانونية تتضمن بنود احتكار صارمة تمنعهم من العمل مع أي منصات أخرى، وتفرض شروطاً جزائية تضمن التزامهم بالسرية التامة وعدم البوح بتفاصيل سكريبتات المقابلات الإنسانية والمسابقات الميدانية، مما يحافظ على استمرار "مصنع الوهم" الرقمي ويحميه من الانكشاف.
تتجاوز التبعات المترتبة على إنتاج المحتوى الميداني المفبرك مسألة التضليل التسويقي، لتؤثر بشكل مباشر على البنية التوثيقية للجرائم والانتهاكات؛ إذ إن تزييف الشهادات المرتبطة بالملفات الحساسة، مثل ملف سجن صيدنايا والمعتقلين، يؤدي إلى نزع المصداقية عن الروايات الشفوية والتاريخية للضحايا، ويُضعف من القيمة القانونية للأدلة والشهادات التي تعتمد عليها جهات التحقيق والمنظمات الحقوقية الدولية.
هذا النمط من الفبركة يمنح الأطراف المتهمة بالانتهاكات ثغرات موضوعية لضرب موثوقية التقارير الحقوقية الشاملة، عبر تصنيفها كـ "مواد تجارية مصنوعة لغايات التفاعل الرقمي".
وفي المحصلة، فإن تداخل الحقائق بالسيناريوهات المفبركة على منصات التواصل الاجتماعي يرفع منسوب التشكيك العام في عدالة القضية الإنسانية، ويُفرغ الجرائم الحقيقية من ثقلها القانوني والسياسي، محولاً إياها من ملفات مساءلة ومحاسبة دولية إلى محتوى رقمي عابر ينتهي أثره بانتهاء العرض الرقمي.
اعتمد هذا التقرير في جميع محاوره على أسماء مستعارة بالكامل للمصادر والشهود (عمر، كريستين، زاهر، ومحمد)؛ وذلك تلبيةً لرغبتهم، وحفاظاً على خصوصيتهم وسلامتهم المهنية والشخصية، وتجنباً للتبعات والالتزامات القانونية أو الشروط الجزائية الصارمة التي قد تترتب عليهم جراء البوح بالكواليس والمعلومات، ارتباطاً ببند السرية وعقود الاحتكار الملزمة التي فرضتها عليهم إدارات تلك المنصات.