لطالما كان نهر الفرات جاراً عزيزاً لمناطق واسعة من الجزيرة السورية، ومناطق أخرى في شمال شرق سوريا على طول مجراه، يفيض عليها من خيراته لينعش اقتصادها، لكنه اليوم يفيض على غير عادته بما ينذر بكارثة غير مسبوقة منذ عقود، فهل يغدر الفرات بجيرانه؟
أُطلقت أولى الإنذارات يوم الاثنين 25 أيار/ مايو 2026، حين حذّرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية الأهالي في محافظتي الرقة ودير الزور القاطنيين على ضفاف الفرات أو في حرمه، مطالبةً إياهم بالاستعداد لموجة فيضان وارتفاع في منسوب النهر إلى أكثر من مترين عن معدله الطبيعي، وذلك بالإخلاء الفوري للممتلكات القريبة من النهر، خاصة الموجودة ضمن ما يُسمى "الحوائج" والمناطق المنخفضة، ونقل العوائل والثروة الحيوانية والآليات والمعدات الزراعية إلى مناطق آمنة ومرتفعة، وكذلك إيقاف عمليات الإبحار وتخفيف العبور عبر الجسور الترابية أو الامتناع عنه في حال ارتفاع المنسوب، ووقف السباحة بشكل كلي خلال هذه الفترة.
سبق الإنذار إعلان وزارة الطاقة السورية عن فتح ثلاث بوابات مفيض في سد الفرات نتيجة الارتفاع الكبير في الوارد المائي، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وفي وقت لاحق ومع ظهور آثار الفيضان؛ أعلنت الوزارة عن فتح البوابة الرابعة ورفع كميات التمرير المائي من خلال سد كديران، في محاولة لإدارة التصريف المائي على مجرى نهر الفرات، والتعامل مع الارتفاع الكبير في الوارد إلى بحيرة السد واستيعابه، وضمان تمرير آمن للتدفقات المائية المتزايدة، وفق ما عبّرت الوزارة.
لكن هذه التحذيرات والإجراءات الأولية لم تمنع وقوع الكارثة، وتضرر الأهالي في مناطق تعاني أساساً من الدمار ونقص الخدمات، وكانت أولى البلاغات التي نقلتها وكالة الأنباء الرسمية "سانا" عن ارتفاع منسوب الفرات قرب جسر الشيوخ في منطقة جرابلس شرق حلب وتضرر الأراضي الزراعية فيها، وكانت منطقة حويجة السوافي في محافظة الرقة أولى المناطق المغمورة وفق ما أعلنت الوكالة.
مراسل (تأكد) يرصد الواقع من المناطق المتضررة
أفاد الصحفي عمر البم، مراسل منصة (تأكد) في المناطق المتضررة، بأن فائض النهر غمر مساحات واسعة من الأراضي على امتداد مجرى النهر بداية من مناطق دخوله الأراضي السورية، في ارتفاع مستوياته غير المسبوق منذ ما يقارب 40 عاماً، متسبباً بأضرار على الملكيات العامة والخاصة على سرير النهر في دير الزور، مغرقاً الأراضي والمنازل و"الحوائج" -وهي جزر نهرية موجودة منذ أُنشئ السد- ممتداً لكورنيش دير الزور، إضافة لغمر بعض الأحياء القريبة من النهر في الرقة.
وقال المراسل أن المساعي الحالية غير كافية في مناطق مدمرة ومستنزفة مثل دير الزور التي تحتاج بذل المزيد، فقد سبق ودمر قصف القوات الروسية ومعارك التحالف الدولي كل الجسور فيها، وجاء الفيضان ليهدم الجسور الترابية التي أُنشئت كحلول مؤقتة.
وعطفاً على جذر المشكلة، أفاد المراسل أن سد الفرات كان ممتلئاً بنسبة عالية، فلم يتحمل زيادة الوارد من الجانب التركي خلال ما يُقدر بيوم ونصف، مما استدعى فتح بواباته ليفيض النهر باتجاه دير الزور، في حين قال نقلاً عن مصادر إن تركيا منحت الحكومة السورية مهلة قصيرة قبل التصريف وإنذارها كان متأخراً، مما حال دون القدرة على الاستعداد الكافي، الأمر الذي أكده وزير الطاقة محمد البشير في مؤتمر صحفي مشترك مع وزيري الطوارئ والصحة السوريين ومحافظ دير الزور.
كما أفاد المراسل بأن عدد النازحين بلغ 600 شخص، أغلبهم من "الحوائج" مثل حويجة قاطع وصقر، وذلك بحسب محافظة دير الزور، لكنه واجه صعوبة بتقدير أضرار الأراضي الزراعية ومحاصيلها التي ما زالت تغمر بشكل متوالي ومفاجئ في مئات الكيلومترات على طول النهر، متوقعاً أن الأيام القادمة قد تحمل ما هو أسوأ ما لم يخفّض الجانب التركي ضخّ المياه، إذ تشارف مناطق جديدة على الغرق.
صور التقطها الصحفي عمر البم من مناطق الفيضان في دير الزور.
صور التقطها الصحفي عمر البم من مناطق الفيضان في دير الزور.
صور التقطها الصحفي عمر البم من مناطق الفيضان في دير الزور.
صور التقطها الصحفي عمر البم من مناطق الفيضان في دير الزور.
صور التقطها الصحفي عمر البم من مناطق الفيضان في دير الزور.
صور التقطها الصحفي عمر البم من مناطق الفيضان في دير الزور.
هل تقف الاستجابة الحكومية في وجه الفيضان؟
شُكلت لجنة استجابة طارئة للتعامل مع الكارثة بالتعاون بين الوزارات المعنية والمديريات والهيئات المحلية، مع غرف عمليات مشتركة بين محافظتي دير الزور والرقة.
وتستمر عمليات الإخلاء في المناطق على سرير النهر، في ظل استجابة الدفاع المدني السوري والقوى البحرية في الجيش السوري للنقل بقوارب في معابر بين ضفتي النهر إثر انقطاع الطرق، مع الاستنفار لتأمين مراكز إيواء وإنشاء النقاط الإسعافية، ورفع السواتر الترابية كإجراءات احترازية، بينما تحاول وزارة الطاقة السورية من جانبها إدارة الأزمة الناتجة عن توقف بعض محطات المياه في محافظتي دير الزور والرقة.
وفيما يتعلق بالأضرار البشرية، قال رائد الصالح، وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السورية، إن الضحايا من الأطفال راحوا نتيجة السباحة في النهر وليس الفيضان، بينما لم يُبلغ عن أضرار مباشرة بسبب غمر المياه حتى الآن.
وفي بيان نشرته وزارة الطاقة السورية، أوضحت المؤسسة العامة أن نسب التخزين المرتفعة في بحيرات السد تستدعي الاستمرار في تمرير المياه باتجاه مجرى النهر للحفاظ على حدود الأمان التشغيلية، فيما أكدت أن المنشآت المائية بحالة فنية مستقرة بلا أي خطر إنشائي مع المراقبة الدقيقة، مع القدرة على تمرير كميات أكبر من التدفقات الحالية عند الحاجة، في حين أن المعطيات الحالية تشير لاستمرار التدفقات المرتفعة القادمة من الجانب التركي حتى مساء يوم الأحد 31 أيار/ مايو 2026، على أن تبدأ بالانخفاض التدريجي وفق المعلومات الفنية المتوفرة.
لتعود الوزارة وتعلن عن بدء تخفيض الكميات الواردة نتيجة المتابعة والتنسيق مع تركيا، لتباشر الكوادر الفنية في سد الفرات تخفيض كميات المياه المتدفقة عبره بإغلاق جزئي لبواقة المفيض الثالثة، مع توقع استمرار عمليات التخفيض التدريجي مع انخفاض الوارد التركي، بما سهم بتراجع المنسوب وعودة الأوضاع لطبيعتها.
بين انخفاض المنسوب وارتفاعه الكارثي
تختص تركيا بالمنبع والمجرى الأعلى لنهري الفرات ودجلة، فيما منحتها التقسيمات الجغرافية النسبة الأعلى من مجرى الفرات في أراضيها، ليقع الخلاف حول تقاسم مياهه بينها وبين دولتين يكمل فيهما الفرات مجراه، هما العراق وسوريا، مما خوّلها للتحكم واستخدام ذلك كورقة ضغط جيوسياسي، للحفاظ على أمنها المائي والاستفادة من الموارد بأي ثمن.
وتفيد التقارير بأن "مشروع جنوب شرقي الأناضول الكبير"، الذي يُعد أكبر مشروع نفذته تركيا لتطوير المشروعات الزراعية والإنمائية ويتكون ممّا لا يقل عن 22 سداً و19 محطة للطاقة الكهرومائية منتشرة على نهري دجلة والفرات، قلّص حصة العراق وسوريا وقلل تدفق مياه النهرين منذ عقود.