
ما حقيقة المنحة المالية والتأمين الصحي المجاني لجميع السوريين؟
تداولت صفحات تقريرين إخباريين يزعمان أنه صدر قرار بتطبيق التأمين الصحي المجاني للسوريين وأنه يجري التحضير لمنحة مالية إسعافية للسوريين إلا أن تلك المزاعم كاذبة.


تحول اعتصام "قانون وكرامة" في ساحة المحافظة بمدينة دمشق إلى مساحة لاشتباك الأجندات، مما أدى لضياع المطالب المعيشية التي خرج من أجلها المحتجون.
فبينما برزت محاولات (الفلول) لاستثمار الاعتصام والركوب على موجة الاحتجاج، استغل (المحرضون) ذلك لتنفيذ حملة تخوين ممنهجة، فاعتمدوا على التضليل المستند إلى "فزاعة الفلول" كذريعة لشيطنة الاعتصام بالكامل، مستعينين بفبركات رقمية اخترعت هويات وقرابات وهمية لبعض المشاركين بهدف تشويه سمعتهم.
يكشف رصد المحتوى الرقمي المرتبط بالاعتصام عن محاولات استثمارية ممنهجة مارستها شخصيات محسوبة على النظام المخلوع، من بينهم الإعلامي الموالي للنظام المخلوع رفيق لطف، الذي سعى عبر منشوراته لفرض وصاية إعلامية وهمية عبر إقحام لغة سياسية صدامية بديلة عن المطالب المعيشية الصرفة.
وروّج لطف المعروف بمواقفه الداعمة لنظام بشار الأسد لرسائل تدعي وجود "رقابة دولية" أو ضمانات خارجية لحماية المتظاهرين، في خطابٍ أخرج الاعتصام عن سياقه، ووضعه في خانة "الاستقواء بالخارج"، مما منح المخونين ذريعة جاهزة لوسم المحتجين بالتبعية وتشتيت جوهر مطالبهم الخدمية وسط صراعات سياسية.
واتسع نطاق استثمار الاعتصام ليشمل صفحات مثل “X Media”وحساب وحيد يزبك، ممن ساهموا في تسييس المشهد عبر إقحام لغة صدامية لم تكن ضمن دعوات المعتصمين الأصلية؛ حيث استخدموا في تغطيتهم أوصافاً سياسية مثل "سلطة الأمر الواقع وعصاباتها وشبيحتها"، وتحدثوا عن تعرض الاعتصام لـ"هجوم وحشي".
كما استثمر في هذا الاعتصام صفحة (جريدة الوطن) بموقع فيسبوك، والتي تدار من قبل الصحفي المحسوب على النظام المخلوع، وضاح عبد ربه، وذلك عبر نقل أخبار الاعتصام بتوجه يتقاطع مع استثمار بقية الشخصيات المحسوبة على نظام الأسد، مما وفّر غطاءً لمنصات التحريض لتعميم التخوين؛ وهو الأمر الذي حوّل الساحة من منبر للمطالب المعيشية إلى ميدان لتصفية الحسابات وفبركة الوقائع.
اعتمدت صفحات المحرضين استراتيجية "الشيطنة بالارتباط" لوصم كامل الاعتصام بصفة "الفلول"؛ فبمجرد رصد نشاط أو منشورات لشخصيات محسوبة على النظام المخلوع، جرى تعميم هذه التبعية على كافة المعتصمين دون استثناء.
وشكلت هذه الصفحات المسار الثاني في عملية تزييف الواقع، عبر الانتقال من التخوين السياسي إلى التحريض الميداني الصريح على العنف، وذلك باستخدام صور لسيارات من نوع (سبورتاج وسنتافيه)، في دعوة لاستخدام السيارات كأدوات لدهس المعتصمين وتبرير الاعتداء عليهم تحت غطاء "الدفاع عن الدولة"، على غرار حادثة دهس المتظاهرين خلال مظاهرات الساحل السوري في كانون الأول/ديسمبر 2025.
وتزامن هذا التحريض مع استغلال منشورات لصفحة (جريدة الوطن)، المدارة من قبل عبد ربه، كدليل مادي لشرعنة التخوين؛ حيث أعاد المهاجمون تداول تغطية الجريدة للاعتصام لتقديمها كـ "اعتراف" بتبعية الحراك لفلول النظام المخلوع.
ورافق ذلك اعتماد البعض على الشحن الطائفي والسياسي عبر منشورات استخدمت مصطلحات (فلول، شبيحة، نصيرية، علمنجية) في ذات السياق.
وخلال الاعتصام وعقب انقضائه مباشرة، تصاعدت حدة الهجمات الرقمية التي استهدفت المشاركين بشكل مباشر، حيث انتشرت منشورات ممنهجة هدفت إلى مهاجمة بعضهم عبر فبركة صلات قربى بمسؤولين أمنيين أو اختلاق رتب عسكرية لهم أو هويات مزيفة، كما هو الحال في ادعاء مشاركة "شقيقة حسام لوقا" أو "العميد خضور"، وترافقت هذه الفبركات مع موجة من التحريض والعنف اللفظي.
وقد فندت منصة (تأكد) عدة ادعاءات استهدفت المشاركين، كانت إحداها محاولة وصم مشاركة في الاعتصام بالتبعية للنظام، عبر إرفاق صورتها مع صورة قديمة لسيدة تضع حذاءً عسكرياً فوق رأسها؛ والادعاء بأنها ذاتها المشاركة بالاعتصام، لكن التحليل البصري أثبت زيف هذا الادعاء، وتبيّن أن السيدة هي "بشرى البصلة"، ابنة ناشط معارض وشقيقة معتقل سابق.

الصورة المتداولة لا تخص سيدة مشاركة في "اعتصام قانون وكرامة" | تأكد
تداول مستخدمون عبر موقع فيسبوك صورتان، زعم من نشرها أنه السيدة التي تظهر في إحدى الصور وهي تشارك في اعتصام ساحة المحافظة، هي ذاتها الشخصية الموجودة في مسيرة سابقة مؤيدة للأسد، غير أن الادعاء مضلل.
www.verify-sy.comكما طالت الفبركات هويات أخرى؛ فتداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لسيدة وزعموا أنها "شقيقة حسام لوقا"، رئيس إدارة المخابرات العامة لنظام الأسد سابقاً، غير أن التحقق أثبت أن السيدة هي "خلود السقا"، ولا تربطها أي صلة قرابة بالمسؤول المذكور، بل أكدت مصادر للمنصة أن حسام لوقا ليس لديه شقيقات.

هذه السيدة المشاركة بالاعتصام في دمشق ليست شقيقة حسام لوقا | تأكد
ادعت حسابات في موقعي إكس وفيسبوك أن السيدة التي ظهرت في اعتصام ساحة يوسف العظمة بدمشق بتاريخ 17 نيسان/ أبريل 2026 هي ذاتها شقيقة حسام لوقا رئيس إدارة المخابرات العامة في سوريا إلا أن الادعاء مضلل.
www.verify-sy.comكما أن التحريض والهجوم طال معتقلين سابقين شاركوا في الاعتصام، إذ جرى تداول صورة لمشارك يُدعى "محمد فاضل فطوم" مع مزاعم أنه "عميد ركن وكنيته خضور" قُتل أبناؤه في صفوف النظام، وتبيّن لاحقاً أن "فطوم" هو ضابط سابق سُرّح واعتُقل لمدة 13 عاماً منذ عام 1979، بسبب مواقفه السياسية المعارضة، وجُرّد من حقوقه العسكرية والمدنية آنذاك.

صورة مشارك في اعتصام دمشق تُستغل لاتهامه زوراً بأنه ضابط سابق "متخفي" | تأكد
تفنيد ادعاء متداول حول هوية مشارك في اعتصام (قانون وكرامة) بدمشق، حيث زعمت منشورات أنه ضابط سابق متخفٍ، بينما أظهر التحقق أنه محمد فاضل فطوم، معتقل سياسي سابق ومعارض لنظام الأسد.
www.verify-sy.comواستهدفت صفحات المحرضين أحد المشاركين بمنحه لقباً مستعاراً هو "بحوس"، عبر ترويج رواية مفبركة تصفه بـ"كاتب تقارير" أمنية، وتتهمه بإدارة منصات رقمية أساءت لضحايا الكيماوي والثورة.
إلا أن التحقق كشف زيف هذا الادعاء؛ إذ تواصلت منصة (تأكد) مع صاحب الصورة وتحققت من إثباتاته الشخصية، التي بيّنت أن اسمه "بسام السقا"، وهو من أهالي حي العمارة الدمشقي ويقيم في إحدى ضواحي دمشق بعد عودته من تركيا. وأكد السقا أنه لم يسبق له السكن في منطقة رنكوس أو حمل اللقب المنسوب إليه، لافتاً إلى أنه شقيق "خلود السقا" التي طالتها حملة التحريض والتشهير ذاتها.
وفيما يخص خلفيته، أوضح السقا أنه كان من أوائل المتظاهرين ضد نظام الأسد؛ حيث تعرض للاعتقال في "فرع الخطيب" عقب مشاركته في مظاهرة بساحة عرنوس بدمشق في أيار 2011. وهي الرواية التي وثقتها المنصة عبر شهادة "عبد الرزاق شبلوط"، أحد المشاركين في الاعتصام، والذي كان حاضراً في المظاهرة وحادثة الاعتقال المشتركة.
خلف غبار المعارك الرقمية بين "استثمار موالي النظام السابق" و"فبركات المحرضين"، يكمن جوهر الحكاية الذي حاول الجميع تغييبه: الأوجاع المعيشية. ففي مقابلة أجرتها منصة (تأكد) مع أحد المشاركين في اعتصام ساحة المحافظة، برزت دوافع إنسانية صرفة بعيدة عن أي أجندات سياسية.
وتركزت مطالب اعتصام "قانون وكرامة" حول حزمة متكاملة من الإصلاحات الجذرية، بدأت بضرورة التزام السلطات بموجبات العملية الانتقالية وتهيئة المناخ لحوار وطني جامع يفضي لانتخابات حرة وتفعيل مسار العدالة الانتقالية.
وشدد البيان في بنده الثاني على الرفض القاطع لإعادة إنتاج المنظومة السابقة أو "تعويم الفلول"، مع المطالبة بتوسيع المشاركة السياسية وتطبيق معايير الحوكمة الرشيدة والشفافية لمكافحة الفساد.
ونادى البيان بتحقيق العدالة المعيشية عبر ربط الأجور بمستوى الأسعار، وحماية الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم) من الخصخصة، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر هشاشة كالمتقاعدين وأهالي الضحايا، ودعم صغار الكسبة والصناعيين.
كما طالبوا بإيقاف مشروعات إعادة الإعمار والاستثمار التي تسلب حقوق الأهالي والمهجرين، وصولاً إلى صون الحريات العامة وتجريم خطاب الكراهية والطائفية، بما يضمن بناء دولة القانون والعدالة والمساواة لجميع المواطنين.
وأكد أحد المسنين (77 عاماً)، الذي انتشر له مقطع فيديو يوثق مشاركته في الاعتصام، أن خروجه لم يكن إلا صرخة يأس؛ إثر عجزه عن تأمين إيجار شقته في حي "ركن الدين" أو سداد فواتير الكهرباء. وأوضح المسنّ أنه فقد ابنه الوحيد ومعيله في بداية الثورة السورية، ليجد في هذا الاعتصام متنفساً وحيداً للتعبير عن حاجته لإصلاحات اقتصادية حقيقية تعينه على البقاء.
ولم تكن هذه الحالة فردية، إذ عبر مشاركون آخرون من أهالي الحي عن استيائهم من تدني الرواتب التقاعدية التي لا تكفي لسداد الخدمات الأساسية، مؤكدين وصول الحال ببعض المواطنين إلى البحث عن الطعام في القمامة لتأمين احتياجاتهم.
كما أشار بعض ممن شاركوا في الاعتصام إلى تدهور المستوى التعليمي في المدارس الحكومية وما تبعه من انحدار أخلاقي، بينما شدد "بسام السقا" -الذي شارك مع شقيقه وشقيقته- على أن مطالبهم تركزت حول نبذ الطائفية، وتعزيز العيش المشترك، وتحسين الأوضاع المعيشية المتردية، نافين بشكل قاطع ارتباطهم بأي أجندة سياسية.
وفي ذات السياق، أبدى مشاركون تذمرهم من ظاهرة "تعويم رموز النظام المخلوع" ومنحهم امتيازات حتى على مستوى الأحياء، وهو ما زاد من الشعور بالغبن والظلم الاجتماعي.
لا تنفي منصة (تأكد) وجود بعض الشخصيات التي لديها تاريخ في تأييد النظام السابق أو مشاركة أفراد يحملون أجندات خاصة، نظراً لاستحالة التحقق من هويات جميع المشاركين في الاعتصام؛ إلا أن التقرير يركز بشكل أساسي على رصد محاولات التحريض والتسييس التي شابَت المشهد، مع إبراز الحقائق المتعلقة بالمطالب الفعلية للاعتصام.