أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، الجمعة، التوصل إلى نتائج وصفتها بـ"الموثوقة والمتقاطعة" تسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني بوفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي، بعد أكثر من عقد على اختفائهم القسري في واحدة من أبرز قضايا المفقودين في سوريا.
وقالت الهيئة، في بيان، إنها توصلت إلى هذه النتائج بعد إجراءات تحقق وتحليل متعددة شملت مراجعة معطيات ومعلومات ومواد متقاطعة ذات صلة بالقضية، وبالتنسيق مع الجهات الوطنية المختصة. وأوضحت أن النتائج استندت إلى مجموعة من التحقيقات والمعطيات التي خضعت للمراجعة والتقييم وفق الأصول المهنية المعتمدة.
وأضافت الهيئة أنها أبلغت أفراداً من العائلة بالنتائج قبل إعلانها للرأي العام، وفق بروتوكول إنساني ومهني يراعي حق العائلة في المعرفة ويحفظ كرامتها وسلامتها النفسية.
وأكدت الهيئة أن الجهود المتعلقة بالعثور على الرفات وتحديد أماكن وجودها لا تزال مستمرة ضمن الأعمال التي تتابعها بالتنسيق مع الجهات المختصة، مشددة على أن كشف المصير لا يغلق ملف القضية ولا ينهي مسار العدالة، بل يفتح الباب أمام استكمال كشف جميع الوقائع والملابسات المرتبطة بها.
من جهتها، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الجارية في القضية، والتي شملت استجواب عدد من الموقوفين، أفضت إلى معلومات وأدلة تفيد بمقتل الأطفال على يد مجموعات وميليشيات تابعة للنظام السابق.
وأشارت الوزارة إلى أن الهيئة الوطنية للمفقودين شاركت معها مقاطع فيديو ومعلومات متصلة بالقضية، أسهمت في دعم مجريات التحقيق وتعزيز الأدلة المتوفرة.
وأضافت أن التحقيقات الأولية أظهرت تورط المدعو أمجد يوسف، المعروف بارتباطه بمجزرة التضامن، في الجريمة، مؤكدة استمرار الجهات المختصة في استكمال التحقيقات وجمع الأدلة وملاحقة متورطين محتملين تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.
وفي أول تعليق من العائلة عقب الإعلان عن نتائج التحقيقات، نعى حسان العباسي، شقيق الدكتورة رانيا العباسي، أبناء أخته، مؤكداً أن العائلة توصلت إلى هذه الخلاصة بعد مراجعة مواد مصورة مرتبطة بالقضية.
وقال العباسي في مقطع فيديو نشره عبر صفحته على "فيسبوك" إن العائلة تأكدت من مصير الأطفال بعد الاطلاع على تسجيلات مصورة منسوبة لأمجد يوسف، مشيراً إلى أن أحد المقاطع يُظهر دخول شخص إلى غرفة مظلمة يوجد فيها أطفال.
وأضاف أن العائلة تمكنت، بالتعاون مع مؤسسة دولية تُعنى بكشف مصير المفقودين، من مشاهدة المقاطع والتعرف على الأطفال، قائلاً: "تعرفنا على الأطفال وطلعوا أطفالنا".
وأوضح العباسي أنه سيكشف في تسجيل لاحق مزيداً من التفاصيل المتعلقة بما وصفها بـ"المجزرة المؤلمة" التي ارتُكبت بحق أبناء أخته، وفق ما ورد في حديثه.
وفي بيان منفصل، اعتبرت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن قضية عائلة الدكتورة رانيا العباسي تمثل إحدى القضايا الإنسانية المؤلمة التي تختصر معاناة آلاف العائلات السورية التي ما زالت تنتظر معرفة مصير أحبائها، مؤكدة أن حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة لا يسقط بالتقادم.
وشددت الهيئة على أن الوصول إلى معلومات موثقة حول مصير الضحايا يشكل خطوة أساسية على طريق العدالة، مؤكدة أن كشف المصير لا يغلق القضية، بل يفتح الباب أمام استكمال كشف جميع الوقائع والملابسات المرتبطة بها وتحديد المسؤولين عنها، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
كما دعت الهيئتان الوطنية للمفقودين والعدالة الانتقالية وسائل الإعلام والرأي العام إلى تناول القضية بأقصى درجات المسؤولية والاحترام الإنساني، والامتناع عن تداول أي معلومات غير موثقة أو مواد من شأنها المساس بكرامة الضحايا أو انتهاك خصوصية العائلة.
وتقدمت الجهات الرسمية السورية بالتعازي والمواساة إلى أفراد عائلة الدكتورة رانيا العباسي، مؤكدة التزامها بمواصلة العمل لكشف مصير المفقودين والمختفين قسراً في سوريا، وضمان حق الضحايا وذويهم في المعرفة والعدالة والإنصاف.
تُعد قضية الطبيبة السورية رانيا العباسي وعائلتها من أبرز قضايا الاختفاء القسري في سوريا خلال السنوات الماضية. ففي آذار/مارس 2013، اقتحمت قوة أمنية تابعة للنظام السوري السابق منزل العائلة في حي دمر بدمشق، واعتقلت طبيبة الأسنان رانيا العباسي مع أطفالها الستة، بعد يومين من اعتقال زوجها عبد الرحمن ياسين، لتنقطع أخبار أفراد الأسرة جميعاً منذ ذلك الحين.
ولم تشفع للعباسي مكانتها العلمية أو الرياضية، إذ كانت بطلة سوريا والعرب في لعبة الشطرنج، كما عُرفت بنشاطها المهني والاجتماعي. وتشير تقارير حقوقية إلى أن اعتقالها وزوجها جاء على خلفية تقديم مساعدات لعائلات نازحة من مدينة حمص إلى دمشق خلال السنوات الأولى من النزاع السوري.
وعلى مدى أكثر من 13 عاماً، تحولت قضية العائلة إلى رمز لمعاناة آلاف المفقودين والمختفين قسراً في سوريا، وسط مطالبات حقوقية ودولية متكررة بالكشف عن مصيرهم. كما تبنت منظمات حقوقية دولية القضية، بينها منظمة العفو الدولية، التي طالبت مراراً بالإفراج عن أفراد العائلة والكشف عن مصيرهم.
وفي عام 2022، اختارت وزارة الخارجية الأميركية قضية رانيا العباسي ضمن حملة "Without Just Cause" (بدون وجه حق) الهادفة إلى تسليط الضوء على قضايا المعتقلين السياسيين والمختفين قسراً حول العالم، وذلك بناءً على ترشيح من الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وكان أطفال العائلة الستة تتراوح أعمارهم بين عام واحد و14 عاماً عند اعتقالهم، ما جعل القضية واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري إثارة للصدمة في سوريا، نظراً لاختفاء أسرة كاملة تضم والدين وستة أطفال دون أي معلومات رسمية عن مصيرهم طوال السنوات الماضية.