شهد شهر آذار/ مارس 2026 تصاعداً ملحوظاً في حضور المعلومات المضللة والكاذبة المرتبطة بالشأن السوري، مدفوعاً إلى حدّ كبير بالتطورات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية، التي انعكست مباشرة على طبيعة الادعاءات المتداولة وكثافتها، وعلى الموضوعات التي استحوذت على الجزء الأكبر من دورة التضليل خلال الشهر. وفي هذا السياق، لم يعد التركيز محصوراً بالملفات السورية الداخلية فقط، بل امتد إلى قضايا إقليمية ودولية أُعيد توظيفها داخل الفضاء المعلوماتي السوري عبر محتوى مضلل ومتعدد اللغات والمنصات.
عملت منصة (تأكد) خلال آذار/ مارس على نشر 138 مادة تحقق على موقعها، بينها 25 مادة مؤكدة بنسبة 18.12٪، مقابل 113 مادة بنسبة 81.88٪ خضعت لمسار التحقق بمختلف تصنيفاته.
وتظهر بيانات الشهر أن الكذب تصدّر أنماط المحتوى غير الصحيح بنسبة 47.79٪، يليه التضليل بنسبة 40.71٪، فيما حضرت أنماط أخرى مثل خارج السياق والسخرية بنسب أقل. كما أظهرت البيانات تركز الادعاءات بشكل واضح حول حرب إيران بنسبة 40.71٪ من إجمالي المواد غير الصحيحة، تلاها الملف المحلي، ثم الموضوعات العربية والدولية، ما يعكس التأثير المباشر للأحداث الإقليمية الساخنة في توجيه محتوى التضليل وتكثيفه.
وعلى مستوى الجهات المستهدفة، ظل الجمهور العام الفئة الأكثر استهدافاً بالادعاءات بنسبة 34.45٪، تليه شخصيات وجهات محددة بنسبة 23.53٪، ثم السلطة بنسبة 21.01٪، في حين برز استهداف "دولة/كيان" بنسبة 14.29٪، بما يشير إلى تنامي حضور السرديات المرتبطة بالملفات الإقليمية والدولية.
أما من حيث أهداف الادعاءات، فقد تصدّر التشويش المشهد بنسبة 35.40٪، متقدماً على التحريض الذي تراجع إلى 23.89٪، ما يدل على انتقال ملحوظ في وظيفة التضليل من التأجيج المباشر إلى إرباك الفضاء المعلوماتي وإضعاف قدرة الجمهور على التمييز بين الصحيح والمضلل.
وفي ما يخص آليات التضليل، استمرت الفبركة الكاملة للمحتوى باعتبارها الآلية الأكثر شيوعاً بنسبة 49.17٪، تلتها السياقات غير المرتبطة بنسبة 25٪، فيما سجّل المحتوى المولّد أو المعدّل بالذكاء الاصطناعي حضوراً لافتاً بلغ 17.50٪، في ارتفاع واضح مقارنة بالشهر السابق.
كما حافظ فيسبوك على موقعه كأبرز ساحة لانتشار الادعاءات، تلاه إكس، ثم تطبيقات المراسلة المغلقة مثل واتساب وتليغرام، فيما بقيت العربية اللغة الطاغية في الادعاءات، مع ارتفاع ملحوظ في حضور الإنكليزية مقارنة بالفترات السابقة.
وإلى جانب العمل التحريري والتحققي، شهد شهر آذار/ مارس نشاطاً تدريبياً بارزاً للمنصة، تمثل في تنفيذ ورشتين متخصصتين في مكافحة التضليل الإعلامي وتعزيز الإعلام المسؤول، إحداهما عبر الإنترنت بالتعاون مع Search for Common Ground، والأخرى في جامعة دمشق بالتعاون مع كلية الإعلام ورعاية بعثة الاتحاد الأوروبي في سوريا، بما يعكس توسّع دور المنصة إلى بناء القدرات ونشر ثقافة التحقق لدى الصحفيين والفاعلين الإعلاميين والطلاب.
كما سجّل المساعد الذكي للمنصة نمواً واضحاً خلال الشهر، إذ تعامل مع 1091 محادثة من 728 مستخدماً، من بينهم 488 مستخدماً جديداً، مع تحويل 268 محادثة إلى مهام تحقق، وتصعيد 53 محادثة للتدخل البشري المباشر، ما يعكس توسّع قاعدة الاستخدام واستمرار فعاليته في التقاط الادعاءات في مراحلها المبكرة.
ويخلص التقرير إلى أن البيئة المعلوماتية خلال آذار/ مارس 2026 اتسمت بارتفاع كثافة التضليل، واتساع تأثرها بالأحداث الإقليمية، وتصاعد حضور الفبركة واستخدام المواد المرئية والمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي، بما يفرض تعزيز أدوات التحقق الرقمي، وتطوير القدرات التقنية والتحريرية، والاستمرار في الجمع بين التحقق، والتوعية، والتدريب، بوصفها مسارات متكاملة للحد من أثر المعلومات المضللة.
ويأتي هذا النشاط في آذار/ مارس 2026 بالتزامن مع مرور عشر سنوات على انطلاق منصة (تأكد)، التي طوّرت خلال عقد من العمل نموذجاً متكاملاً في التحقق، يجمع بين الرصد والتحليل وبناء القدرات والأدوات التقنية، ما مكّنها من ترسيخ موقعها كمرجع موثوق في مواجهة التضليل ضمن السياق السوري والإقليمي.
الاستنتاجات
يكشف تحليل بيانات شهر آذار/ مارس 2026 عن عدة اتجاهات رئيسة في مشهد المعلومات المضللة:
تصاعد كثافة التضليل: شهد شهر آذار/ مارس ارتفاعاً واضحاً في كثافة المحتوى المضلل مقارنة بشهر شباط، حيث شكّلت المواد الخاضعة للتحقق 81.88٪ من إجمالي المواد المنشورة، بما يعكس بيئة معلوماتية أكثر تلوّثاً، وعودة التصعيد في دورة التضليل، مدفوعة بتطورات إقليمية كبرى، وعلى رأسها الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأميركية.
تقدّم الكذب على التضليل: تصدّر الكذب أنماط المحتوى غير الصحيح بنسبة 47.79٪، متقدماً على التضليل بنسبة 40.71٪، ما يدل على ازدياد الميل إلى اختلاق روايات كاملة ومباشرة بدلاً من الاكتفاء بخلط الحقائق بالأكاذيب.
انتقال وظيفة التضليل من التحريض إلى التشويش: تصدّر التشويش أهداف الادعاءات بنسبة 35.40٪، متقدماً على التحريض الذي تراجع إلى 23.89٪، ما يعكس تحولاً في وظيفة التضليل من محاولة التأجيج المباشر إلى إرباك الفضاء المعلوماتي وإضعاف قدرة الجمهور على التمييز بين الصحيح والمضلل.
استمرار استهداف الجمهور مع صعود استهداف الشخصيات والكيانات: ظل الجمهور العام الجهة الأكثر استهدافاً بالادعاءات بنسبة 34.45٪، غير أن شهر آذار شهد أيضاً حضوراً أكبر لفئة الشخصيات والجهات المحددة (23.53٪) وفئة الدولة/ الكيان (14.29٪)، بما يعكس اتساع نطاق السرديات المضللة من الداخل السوري إلى الملفات السياسية والإقليمية الأوسع.
تصاعد لافت للمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي: سجّل المحتوى المولّد أو المعدّل بالذكاء الاصطناعي حضوراً واضحاً بنسبة 17.50٪ من آليات التضليل، في ارتفاع ملحوظ مقارنة بشهر شباط، ما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ظاهرة هامشية، بل بات أداة مؤثرة في إنتاج السرديات البصرية والمحتوى المضلل.
تزايد الاعتماد على الفيديو والمواد المرئية: تصدّرت مقاطع الفيديو أشكال الادعاءات بنسبة 39.84٪، متقدمة على النصوص والصور، وهو ما يرتبط مباشرة بتزايد استخدام الفيديوهات القديمة أو المولّدة أو المعدّلة رقمياً، ويؤكد أن التحقق البصري بات أولوية مركزية في مواجهة التضليل.
تعاظم دور الأدوات التقنية: أثبت التحقق مفتوح المصدر (OSINT) مجدداً أنه الركيزة الأساسية لعمل المنصة بنسبة 83.74٪ من آليات التحقق، في حين واصل المساعد الذكي توسيع أثره، مع ارتفاع عدد المحادثات إلى 1091، وتحويل 24.6٪ منها إلى مهام تحقق فعلية، ما يعكس تنامي ثقة المستخدمين وفاعلية الأداة في التقاط الادعاءات مبكراً.
التوصيات
أولاً: للحكومة السورية والجهات الرسمية
تعزيز الشفافية الاستباقية من خلال نشر بيانات رسمية دورية حول القضايا الخدمية والأمنية.
تبني قانون حق الوصول للمعلومات وتسهيل وصول الصحفيين والباحثين إلى البيانات الرسمية.
مكافحة خطاب الكراهية وإصدار تشريعات واضحة تجرم التحريض الطائفي والمجتمعي.
إنشاء وحدة حكومية للرد على الشائعات تعمل بشفافية وتنسّق مع المؤسسات الإعلامية ومنصات التحقق.
التنسيق مع منصات التحقق: بناء جسور تواصل مع منصات التحقق المستقلة لتوفير الردود السريعة.
تعزيز السلامة الرقمية للعاملين في الإعلام عبر التدريب وآليات الحماية.
ثانياً: لوسائل الإعلام والصحفيين
ترسيخ ثقافة التحقق داخل غرف الأخبار.
الاستثمار في تدريب الصحفيين على أدوات التحقق الرقمية.
إسناد التغطيات الحساسة إلى صحفيين يمتلكون خبرة كافية بالسياق المحلي.
تعزيز الشفافية والتواصل المباشر مع الجمهور.
التعامل بحذر مع المحتوى المأخوذ من وسائل التواصل الاجتماعي.
تفعيل التعاون بين المؤسسات الإعلامية ومنصّات التحقق.
اعتماد خطاب إعلامي يراعي حساسية المرحلة ويحدّ من الاستقطاب.
وضع سياسات واضحة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.
ثالثاً: للجمهور العام ومستخدمي المنصات
التريث قبل المشاركة: ضرورة التحقق من مصدر الخبر قبل إعادة نشره.
الاعتماد على المصادر الموثوقة: متابعة منصات التحقق المتخصصة واستخدام أدوات مثل "المساعد الذكي".
المساهمة في بيئة رقمية آمنة: الاستفادة من الأدوات التقنية المتاحة للتأكد من صحة الادعاءات المتداولة قبل المساهمة في نشرها.