
الفيديو لا يوثق إصدار الحكومة السورية مذكرة توقيف بحق بوتين
ادعت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي أن مقطعاً مصوراً يوثق إصدار الحكومة السورية التابعة للرئيس أحمد الشرع حديثاً مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلا أن الادعاء مضلل.


رافعاً العلم السوري فوق سيارة في مدينة نوى بمحافظة درعا، وهو علم لم يكن مألوفاً خلف مكتبه خلال خدمته في أجهزة النظام المخلوع، ظهر مصعب أبو ركبة مجدداً، بعد أسابيع من صدور حكم قضائي بحقه في النمسا، وبعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام الذي خدم في أجهزته.
وحكمت محكمة في فيينا، في 6 تموز/يوليو 2026، على أبو ركبة بالسجن ثماني سنوات، في قضية ارتبطت بانتهاكات بحق معارضي النظام المخلوع في الرقة خلال السنوات الأولى للثورة السورية. وبعد نحو شهر، عاد إلى مسقط رأسه نوى، حيث أقامت عائلته استقبالاً احتفاءً بعودته.
ولم تكن قضيته مجهولة في سوريا؛ إذ تابعت وكالة "سانا" الرسمية محاكمته والاتهامات الموجهة إليه، ثم نشرت خبر الحكم عليه. ومع ذلك، عاد إلى البلاد وظهر علناً، لتعيد عودته إلى الواجهة ملفاً بدأ قبل أكثر من عقد في الرقة، وانتقل عبر شهادات الضحايا إلى القضاء النمساوي، قبل أن يعود اليوم إلى سوريا حاملاً معه أسئلة عن مساري المحاسبة النمساوي والسوري.
خلال السنوات الأولى للثورة السورية، كان مصعب أبو ركبة ضابطاً برتبة مقدم يعمل في الرقة، وتصفه "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" بأنه شغل منصب رئيس قسم التحقيقات في الشرطة الجنائية بالمحافظة، فيما وصفته المحكمة الإقليمية الجنائية في فيينا بأنه مسؤول رفيع سابق في الشرطة الجنائية.
وشملت الوقائع التي نظر فيها القضاء النمساوي الفترة بين نيسان/أبريل 2011 وآذار/مارس 2013، حين كان النظام المخلوع يواجه الحركة الاحتجاجية في الرقة بحملات اعتقال وقمع.
ورغم تداول روايات عن انشقاق أبو ركبة، ظهر في تسجيل أرشيفي بثّه التلفزيون السوري التابع للنظام المخلوع في 19 آذار/مارس 2012، مقدّماً نفسه بصفته رئيس قسم التحقيق في الأمن الجنائي، قبل أن يؤكد أنه لا يزال على رأس عمله.
وحصلت منصة "تأكد" على نسخة مترجمة من محضر استجواب أبو ركبة أمام السلطات النمساوية بتاريخ 20 تموز/يوليو 2017، ضمن تحقيق تناول شبهات بارتكاب جرائم حرب في سوريا. وفي المحضر، أكد أبو ركبة أن ظهوره على التلفزيون السوري في آذار/مارس 2012 جاء بعد انتشار أنباء عن انشقاقه، وقال إن وزير الداخلية والأمن السياسي حثّاه على الظهور على الشاشة ونفي تلك الأنباء.
وقدم أبو ركبة خلال الاستجواب روايته لمساره الوظيفي، قائلاً إنه عمل في قسم الجريمة في الرقة منذ عام 1999، قبل نقله، بحسب أقواله، في كانون الثاني/يناير 2012 إلى إدارة الأمن السياسي، حيث شملت مهامه مراقبة شخصيات المعارضة وإجراء الاستجوابات.
كما أقر أبو ركبة في المحضر بوجود لجنة أمنية مشتركة شُكلت بعد اندلاع الاحتجاجات، وضمت ممثلين عن خمسة أجهزة أمنية، وكانت مهمتها استجواب المعارضين والمتظاهرين داخل المبنى الذي كان يعمل فيه. لكنه نفى أن يكون عضواً فيها أو أن تكون أعمالها تحت إشرافه، وقال إن استبعاده منها ارتبط، بحسب روايته، بكونه من درعا وعدم ثقة النظام آنذاك بضباط ينحدرون منها.
وقال الادعاء النمساوي إن القضية تناولت إساءة معاملة 21 شخصاً احتُجزوا في سياق قمع الاحتجاجات في الرقة، واتهم المسؤولين المشمولين بها بإصدار أوامر بإساءة معاملة محتجين أو بعدم التدخل لمنع تلك الممارسات.
وفي المقابل، نفى أبو ركبة أمام المحققين النمساويين مشاركته في تعذيب أو قتل أشخاص أو قمع المظاهرات، وقال إن مهامه كانت تقتصر على عمل الشرطة العادي. كما ادعى أن بعض الاتهامات الموجهة إليه جاءت بدافع الانتقام، وأن ضابطاً آخر استخدم اسمه خلال بعض الاستجوابات.
لكن شهادات وصلت لاحقاً إلى القضاء النمساوي قدمت روايات مختلفة عن تلك المرحلة.
كان الصحفي عمر الهويدي أحد الذين عرفوا أبو ركبة عبر تجربة شخصية. وقال، في تصريح خاص لـ"تأكد"، إن أبو ركبة كان يقود الدورية التي اعتقلته أثناء مشاركته في مظاهرة في شارع الأماسي بمدينة الرقة.
وسبق للهويدي أن وثق الواقعة في شهادة منشورة، روى فيها تفاصيل الاعتقال والاحتجاز والتحقيق والتهديدات التي طالت عائلته. وأكد أنه حرص أمام القضاء النمساوي على الفصل بين ما عايشه بنفسه وما لم يكن شاهداً عليه مباشرة.
وتركزت إفادته، بحسب روايته، على دور أبو ركبة في اعتقاله وما أعقب ذلك من تعذيب نفسي وجسدي، فيما لم يقدم وقائع شخصية بحق خالد الحلبي، المتهم الآخر في القضية، لعدم امتلاكه تجربة مباشرة معه.
وأدلى الهويدي بإفادته أمام المدعي العام النمساوي عام 2021، قبل أن يقف في 24 حزيران/يونيو 2026 وجهاً لوجه مع أبو ركبة داخل قاعة المحكمة في فيينا. ووصفه خلال الجلسة بأنه بدا متماسكاً وبارداً، فيما أعاد حضوره أمامه تفاصيل تجربة قال إن آثارها بقيت حاضرة في ذاكرته لسنوات.
كما تحدث المحامي أسيد الموسى، وهو مدعٍ شخصي وشاهد في القضية، لـ"تأكد" عن معرفة سابقة بأبو ركبة تعود إلى سنوات عمله محامياً في الرقة. وقال إن عمله كان يفرض عليه التردد على الأقسام الشرطية والأمنية، ولذلك كان يعرف أبو ركبة بالاسم والشكل من دون أن تجمعهما علاقة شخصية.
وقال الموسى إنه اعتُقل في 22 آب/أغسطس 2011 عقب اعتصام للمحامين، ونُقل إلى فرع الأمن الجنائي في الرقة. وخلال احتجازه، قال إنه شاهد أبو ركبة يضرب ثلاثة معتقلين ضرباً مبرحاً باستخدام كبل رباعي، مشدداً على أن الواقعة جرت أمامه مباشرة.
وأضاف أنه شاهد أيضاً آثار تعذيب على معتقلين آخرين قالوا له إن أبو ركبة عذبهم، كما تحدث عن انتشار دوريات يقودها أبو ركبة قرب جامع الفواز في شارع تل أبيض، وقال إنها كانت تعتقل متظاهرين عند خروج الاحتجاجات وتنقلهم إلى فرع الأمن الجنائي.
انتقلت معرفة الموسى بأبو ركبة لاحقاً من الرقة إلى النمسا. وقال لـ"تأكد" إنه فوجئ برؤيته داخل مركز للاجئين، وتعرف إليه فوراً، كما تعرف إليه شبان آخرون من الرقة كانوا معه. وبعد أن منعه الموجودون من مواجهته، توجه إلى السلطات النمساوية وأبلغها بهويته وما يعرفه عنه، لتأخذ إفادته بشأنه.
وأضاف الموسى أنه واصل خلال السنوات التالية التعاون مع المحققين والجهات القانونية المعنية بالملف، وأسهم في التواصل مع سوريين في دول أوروبية قالوا إنهم تعرضوا لانتهاكات على يد أبو ركبة أو خالد الحلبي، كما تولى التنسيق مع عدد من الشهود وإبلاغهم بمواعيد الإدلاء بشهاداتهم.
وبحسب الموسى، استدعاه قاضي التحقيق النمساوي عام 2021، وأدلى بإفادته وخضع لتقييمات طبية ونفسية مرتبطة بالقضية، قبل أن يمثل لاحقاً أمام المحكمة بصفته مدعياً شخصياً وشاهداً.
وبعد أقل من أسبوعين على شهادة الهويدي، أصدرت المحكمة الإقليمية الجنائية في فيينا حكمها في القضية.
وكانت المحكمة قد استمعت خلال 13 جلسة إلى 25 شاهداً، بينهم 19 من الضحايا المباشرين، إضافة إلى خبيرين، أحدهما متخصص في إصابات التعذيب. وقالت إن الإدانة استندت إلى شهادات اعتبرتها موثوقة، إلى جانب صور للمواقع والإصابات وتقارير الخبراء.
وأدانت المحكمة أبو ركبة بالتسبب بأذى جسدي خطير، والإكراه المشدد، والإكراه الجنسي، وحكمت عليه بالسجن ثماني سنوات. أما خالد الحلبي، فأدين، إلى جانب جرائم أخرى، بالتعذيب. وكان أبو ركبة قد دفع ببراءته، فيما اعتبر محاميه أن الأدلة المقدمة بحقه غير كافية.
لكن الحكم لم يؤدِ إلى توقيف أبو ركبة، الذي بقي طليقاً خلال المحاكمة ولم يكن محتجزاً عند صدور الحكم، فيما استمرت إجراءات الطعن فيه.
وقال الموسى لـ"تأكد" إن المدعين الشخصيين اعترضوا على محاكمة أبو ركبة طليقاً وطالبوا بتوقيفه، لكنه بقي خارج الحبس حتى صدور الحكم.
وبحسب متحدث باسم المحكمة النمساوية، نقلت عنه "رويترز" لاحقاً، خلص القضاء قبل المحاكمة إلى أن أبو ركبة لا يشكل خطراً للفرار، مستنداً إلى إقامته في النمسا منذ عام 2014، ووجود أسرته معه، وسعيه للحصول على اللجوء.
ولذلك، لم يوضع في الحبس الاحتياطي خلال المحاكمة، كما لم يخضع لقيود أخرى. وأوضح المتحدث أن مغادرته النمسا، في ظل استمرار إجراءات الطعن، لم تكن مخالفة لقانون أو قرار قضائي نمساوي نافذ.
وبذلك، لم تكن الإدانة نهاية المسار الذي بدأ بشهادات ضحايا الرقة؛ فبعد أسابيع من صدور الحكم، كان أبو ركبة قد غادر النمسا وعاد إلى سوريا.
تتبعت "تأكد" صوراً ومنشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي توثق وصول أبو ركبة إلى مدينة نوى مطلع آب/أغسطس، وإقامة عائلته استقبالاً بمناسبة عودته.
كما اطلعت "تأكد" على رسالة وُجهت إلى شخصيات محلية لدعوتها إلى المناسبة، وقدمتها على أنها احتفاء بحصوله على "إطلاق سراح من السجن"، رغم أنه لم يكن محتجزاً عند صدور الحكم بحقه.

وبالنسبة إلى عمر الهويدي، أعادت عودة أبو ركبة القضية إلى البلد الذي بدأت فيه. فبعد أسابيع من وقوفه أمام المحكمة في فيينا شاهداً بشأن دوره في اعتقاله، أصبح الرجل الذي شهد ضده موجوداً حراً في سوريا بعد صدور الحكم بحقه.
أما الموسى، فقال لـ"تأكد" إنه بدأ بعد علمه بعودة أبو ركبة التواصل مع أشخاص وجهات داخل سوريا للحصول على معلومات بشأن دخوله البلاد، كما تواصل مع شخصيات في درعا بعدما علم بالتحضير لاستقبال له في نوى.
وبحسب الموسى، أبلغته مصادر تواصل معها بأن أبو ركبة دخل سوريا عبر معبر باب السلامة بصفته عائداً من تركيا، مستخدماً هويته السورية. ولم تتمكن "تأكد" من التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات حتى لحظة إعداد التقرير.
وقال الموسى أيضاً إنه تواصل مع جهات محلية في درعا للاعتراض على تقديم أبو ركبة باعتباره ضابطاً "منشقاً"، مشيراً إلى التسجيل الذي ظهر فيه على التلفزيون السوري عام 2012 مؤكداً استمراره على رأس عمله.
وأضاف أن استقبالاً عائلياً جرى بالفعل، فيما أُلغي، بحسب روايته، احتفال أكبر كان مقرراً إقامته في مدينة نوى. ولم تتمكن "تأكد" من التحقق بصورة مستقلة من ظروف إلغاء الاحتفال أو الجهة التي تدخلت لمنعه.
وتكتسب عودة أبو ركبة بعداً إضافياً لأنها جاءت بعد سقوط النظام المخلوع، وفي وقت تعهدت فيه السلطات السورية الجديدة بمحاسبة المتورطين في انتهاكات عهده.
ومع ذلك، لا تزال طريقة دخوله إلى سوريا غير معلنة، بما في ذلك المنفذ الذي عبر منه، وما إذا كان اسمه مدرجاً على أي تعميم قضائي أو أمني، فيما لم تعلن السلطات عن إجراء اتخذته بحقه بعد ظهوره في نوى.
وحاولت "تأكد" الحصول على توضيح من الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية بشأن المنفذ الذي دخل منه أبو ركبة إلى سوريا، وما إذا كان اسمه مدرجاً على أي تعميم لدى المنافذ، إلا أنها لم تتلق رداً حتى لحظة إعداد التقرير.
وأشار الموسى إلى أنه لم يتواصل مباشرة مع القضاء النمساوي بشأن التطورات الأخيرة، وإنما جرى التواصل عبر فريقه القانوني.
وقال إنهم ينتظرون اتخاذ إجراءات قضائية إضافية بحق أبو ركبة بعد مغادرته النمسا، كإصدار مذكرة توقيف دولية.
وأعادت عودة أبو ركبة القضية إلى سوريا، حيث لم يعد الملف متعلقاً بمصير حكم قضائي صادر في النمسا فحسب، بل أيضاً بكيفية تعامل مؤسسات ما بعد النظام المخلوع مع شخص أدين في قضية انتهاكات وقعت على الأراضي السورية، وعاد إلى البلاد من دون إعلان أي إجراء بحقه حتى لحظة إعداد التقرير.
وفي هذا السياق، قال الموسى لـ"تأكد" إن متابعته للدعوى تمثل، بالنسبة إليه، رسالة إلى كل من ارتكب جرائم حرب بحق السوريين بأن الإفلات من العقاب لن يكون ممكناً، معتبراً أن المحاسبة لا ترتبط بحقوق الضحايا فحسب، بل أيضاً بمنع تكرار تلك الجرائم.