شهدت نيويورك، في 23 أيلول/ سبتمبر 2026، مراسم تسليم 36 قطعة أثرية إلى السلطات السورية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بقيمة معلنة تجاوزت 5 ملايين دولار، وبحضور القائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن محمد ناصر قناطري، ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، إلى جانب عدد من المسؤولين والدبلوماسيين.
ورافق الحدث احتفاء دبلوماسي وتغطية إعلامية واسعة، ولا سيما مع نقل دفعة من القطع على متن الطائرة الرئاسية السورية، إلا أن التدقيق في تفاصيل الشحنة ومصادر القطع ومسارها، يفتح باب التساؤل حول أصالة بعض القطع المستعادة، وما إذا كانت بينها نسخ حديثة أُدرجت ضمن القطع المستردة بوصفها آثاراً أصلية.
من مراسم استلام سوريا 36 قطعة أثرية في نيويورك (سانا)
تفكيك مصادر القطع الستة وثلاثين
بحسب مكتب المدعي العام لمنطقة مانهاتن، ارتبط القسم الأكبر من القطع بتاجر وجامع آثار لبناني الأصل يُدعى جورج لطفي، الذي هُرّبت إلى نيويورك قطع من مجموعته، بينها لوحة حجرية ضخمة نُهبت من موقع تدمر الأثري و14 لوحة فسيفسائية نُهبت من فيلا رومانية في سوريا.
وأشار المكتب لمصادرة هذه القطع عبر مكتب مكافحة تهريب الآثار ، خلال تحقيقات ومداهمات لمستودعات لطفي عام 2021 بناءً على تهم بتهريب الآثار، ومذكرة توقيف حصل عليها المكتب عام 2022، إضافة إلى نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول عام 2023.
كما أُعيدت أربع قطع أثرية أخرى، سبق مصادرتها من المدعو مايكل شتاينهارت، وهو أحد كبار جامعي التحف الفنية القديمة، عقب تحقيق جنائي دولي استمر لسنوات، ونتج عنه إبرام اتفاقية، تضمنت منعه مدى الحياة من اقتناء قطع أثرية إضافية.
إضافة إلى ذلك، ضمت القطع المسلّمة قطعة واحدة مرتبطة بقضية تاجر آثار يُدعى يوجين ألكسندر، أدانه مكتب المدعي العام لمنطقة مانهاتن في تموز/ يوليو 2025 في قضية تجارة آثار.
أبرز القطع المستعادة
تضمنت القطع المستعادة فسيفساء "تيليتي وإيروس"، وهي جزء ضخم من أرضية فسيفسائية يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، وصُنعت من مئات قطع الأحجار الصغيرة الملونة، وصودرت في تموز/ يوليو 2021، إلى جانب 22 فسيفساء أخرى مسروقة من لبنان وسوريا، من مستودع يملكه المدعو جورج لطفي.
كما شملت القطع سريراً جنائزياً تدمرياً من الحجر الجيري، يعود إلى أواخر القرن الثاني الميلادي ويزن أكثر من 450 كيلوغرامًا، وزعم مكتب المدعي العام لمنطقة مانهاتن، أن السرير هُرّب من تدمر إلى دبي، قبل تدمير الموقع على يد تنظيم الدولة الإسلامية بين عامي 2015 و2017.
إضافةً لما سبق، احتوت القطع ثلاثة تماثيل نسائية تعود إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، وكانت بحوزة شخص يُدعى يُدعى إدوارد ميرين، وهو صاحب معرض فني في نيويورك، أُدين لاحقًا أمام محكمة فدرالية بجرائم مرتبطة بالاتجار بالآثار، قبل أن يبيعها إلى المدعو مايكل شتاينهارت.
فسيفساء "تيليتي وإيروس"
ما الذي تكشفه الوثائق عن مسار القطع المستعادة؟
النقش التدمري وإفادة مانسين
تشير إفادة العميل الخاص روبرت مانسين، من وزارة الأمن الداخلي الأميركية، إلى أن الحجر التدمري الوارد ضمن إعلان مكتب المدعي العام لمنطقة مانهاتن، والذي يصور رجلاً مستلقياً محاطاً بزوجته وأطفاله الثلاثة، شُحن من دبي إلى نيويورك عام 2011، إلى جانب مجموعة من الفسيفساء الرومانية المنهوبة من سوريا ولبنان، ويثير هذا التسلسل الزمني تساؤلًا بشأن صحة رواية مكتب المدعي التي تربط تهريب القطعة بعمليات نهب تنظيم الدولة الإسلامية في تدمر، إذ يثبت توثيق شحنها من دبي إلى نيويورك عام 2011، أنها كانت خارج سوريا قبل سنوات من سيطرة التنظيم على أجزاء من تدمر وتدميره للموقع بين عامي 2015 و2017.
صورة النقش التدمري (مكتب المدعي العام لمنطقة مانهاتن)
الباحثة جميلة فلاق وفضيحة الفسيفساء
تبدأ قصة اللوحات الفسيفسائية عند تموز/ يوليو من عام 2021، عندما صادر محققو مانهاتن 23 قطعة من مستودع جورج لطفي، وفي أيلول/ سبتمبر 2023، سلمت السلطات الأميركية 12 قطعة منها إلى لبنان، بينها تسع من مستودع لطفي، أبرزها لوحة ديونيسوس الفسيفسائية.
أعقب الإعلان مقالة للدكتورة جميلة فلاق، تبرز نتائج إخضاعها المجموعة اللبنانية لدراسة خلصت إلى أن ثمان من اللوحات التسع المعادة إلى لبنان هي نسخ حديثة صُنعت في القرن العشرين وليست أعمالاً أصلية، ونشرت جزء منها عبر حسابها على لينكد إن
من مقال "الخبرة العلمية وتجارة الآثار: هل أُعيدت نسخ مزيفة إلى لبنان؟"
وبارتباط اللوحات المسلّمة إلى لبنان بنظيراتها المسلّمة إلى سوريا، نشرت فلاق على لينكد إن منشوراً بعنوان "إعادة قطع أثرية إلى سوريا: فسيفساء رومانية مزيفة أعادتها الولايات المتحدة"، وأرفقته بصورة من وكالة الأنباء السورية "سانا" لمراسم التسليم.
وقالت فلاق إن ثلاثاً على الأقل من اللوحات الـ14 المعادة إلى سوريا تحمل مؤشرات على أنها نسخ مزيفة، وصفت إحداها بأنها "مزيفة بشكل واضح"، ورجّحت أنها أُعيدت إلى سوريا في أيلول/ سبتمبر 2026، فيما رأت أن إثبات زيف القطعتين الأخريين يتطلب مزيداً من التدقيق، كما أثارت شكوكاً بشأن أصالة لوحة رابعة.
وأوضحت أن إحدى اللوحات التي تعتبرها مزيفة هي نسخة عن فسيفساء اكتُشفت خلال أعمال تنقيب في كنيسة سورية بين عامي 1973 و1976، ما يعني، وفق تحليلها، أن النسخة صنعت بعد اكتشاف القطعة الأصلية.
فسيفساء عثر عليها في حفريات بين عامي 1973-1976
لطفي أبلغ عن وجود نسخ مزيفة
وتتصل هذه الملاحظات بإفادات ومراسلات ذات أهمية بشأن أصالة الفسيفساء، إذ أقرّ لطفي في وقت سابق، ضمن رسالة وجهها إلى مساعد المدعي العام في مانهاتن، ماثيو بوغدانوس، بأن عدداً من قطع الفسيفساء التي بحوزته هي نسخ مزيفة، موضحاً اعتقاده بأصالتها عند اقتنائها في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يبدأ بالتحقق من مصدرها بعد استشارته باحثاً مرموقاً عام 2003، غير أن بوغدانوس تجاهل التحذيرات وطالب لطفي بتقديم أدلة من خبراء تثبت أنها نسخ حديثة عن أعمال أثرية منشورة.
صور قدمها لطفي للوحات مزورة بجانب صور للقطع الأصلية
صور قدمها لطفي للوحات مزورة بجانب صور للقطع الأصلية
ماذا تسلمت دمشق؟
على الضفة الأخرى في دمشق، أعلنت المديرية العامة للآثار والمتاحف، استلام دفعة أولى من القطع احتوت 21 قطعة فقط من أصل 36 مشمولة بعملية الاسترداد، فيما كشف الباحث والصحفي محمد السلوم، نقلاً عن مصادر خاصة داخل المديرية، أن دمشق لم تستلم السرير التدمري حتى الآن.
من مراسم استلام دفعة الآثار الأولى (المديرية العامة للآثار والمتاحف)
وبحسب السلوم، يدرك مسؤولو المديرية وخبراؤها وجود قطع يُشتبه في كونها مزيفة ضمن القطع المستعادة من الولايات المتحدة، كما قدّر أحد مصادره الخاصة أن عدد القطع محل الاشتباه يتجاوز نصف القطع المستعادة، ولم يتضمن بيان المديرية توضيحات بشأن أصالة القطع التي أثيرت حولها الشبهات، واكتفت بإصدار بيان رحّب فيه بعملية الاسترداد.
استعادة الآثار لا تكتمل بالمراسم
مهمة حماية التراث السوري لا تكتمل بمجرد تسليم القطع في مراسم رسمية، بل تتطلب التحقق من أصالتها عبر فحص مستقل ودقيق، والتغاضي عن ذلك يعني مشاركة غير مباشرة في طمس الأصل، واستبدال الآثار الحقيقية بنسخ حديثة وتقديمها على أنها مقتنيات أثرية.
وعليه، تبقى مسؤولية الجهات الحكومية السورية التأكد من أصالة القطع المستعادة، وتوثيق مصدر كل منها ومسارها، قبل اعتمادها ضمن المقتنيات الأثرية الموثوقة.