خرج السوريون في أيلول/ سبتمبر 2026 ضمن بعض المناطق احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات وغلاء المعيشة، في أوسع موجة احتجاج مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية منذ سقوط النظام المخلوع.
لكن المشهد الذي عرضته قناة "اي نيوز - I News" الفضائية عبر منصاتها لم يقتصر على ما جرى في الشوارع خلال تلك الأيام، حيث أعادت القناة تداول تسجيلات لمتظاهرين خرجوا قبل سنوات ضد الرئيس أحمد الشرع "الجولاني سابقاً" و"هيئة تحرير الشام" في إدلب والمناطق المحررة سابقاً، وقدمتها ضمن الاحتجاجات الجارية.
ساعد التشابه بين الحدثين على اندماج المقاطع القديمة في المشهد الجديد؛ فالشرع الذي استهدفته هتافات سابقة أثناء قيادته "هيئة تحرير الشام" هو نفسه رئيس البلاد اليوم، لكن المحتجين في أيلول/ سبتمبر خرجوا على خلفية ارتفاع أسعار الوقود وتدهور الأوضاع المعيشية، وبذلك لم تصنع التسجيلات غضباً غير موجود، بل أضافت إلى احتجاج حقيقي متظاهرين وهتافات وأماكن من ظروف أخرى، ومنحت الاعتراض الراهن امتداداً سياسياً أوسع مما توثقه مواد الحدث نفسه.
لم تكن هذه الحالة منفردة، إذ سجلت قاعدة بيانات "تأكد" حتى 16 أيلول/ سبتمبر 2026 ستة عشر ادعاءً مضللاً نشرتها "اي نيوز"، واعتمدت إحدى عشرة حالة منها على مواد صحيحة انتُزعت من زمانها أو مكانها أو أعيد تعريف الأطراف الظاهرة فيها. وشملت مشاهد عسكرية من فلسطين نُقلت إلى الجنوب السوري، ومقاطع لأسر مقاتلين من ساحات أخرى رُبطت بحرب اليمن، إلى جانب صور منتقاة واستنتاجات رافقت أخباراً تتصل بالحدود والسيادة والسلطة الجديدة.
صورة حقيقية لحدث آخر
لا تحتاج هذه الطريقة إلى صناعة صورة مزيفة؛ إذ تظهر آليات إسرائيلية حقيقية، لكن نقلها من قباطية في الضفة الغربية إلى الجنوب السوري يحولها إلى دليل على تحرك عسكري داخل الأراضي السورية.
يكتسب هذا النقل المضلل ثقله من واقع قائم أصلاً، فالجنوب السوري أصبح بعد سقوط الأسد واحداً من أكثر الملفات حساسية مع استمرار التوتر والتحركات الإسرائيلية.
لذلك تدخل الصورة المنقولة إلى سياق قابل للتصديق، ثم تضيف إليه واقعة جديدة لم توثقها الكاميرا في سوريا، فيتحول الخطر المعروف إلى تطور ميداني يبدو مثبتاً بالصورة.
ويأخذ تغيير السياق وظيفة مختلفة عندما يصل إلى حرب اليمن، حيث ربطت مواد نشرتها القناة شخصيات أو مقاتلين سوريين بهذه الحرب، عبر تسجيل قديم من ليبيا أو صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
هنا لا يقتصر أثر التضليل على هوية الأشخاص أو موقع التصوير، بل ينقل سوريا الجديدة إلى واحدة من ساحات الصراع الإقليمي المرتبطة بإيران وخصومها، ويجعل انخراط السوريين فيها يبدو واقعاً موثقاً لا احتمالاً سياسياً.
تكشف الحالتان وظيفة مشتركة للصورة سخّرتها القناة، فهي لا تنشئ الأزمة من الصفر، بل تدخل إلى ملف حساس قائم وتمنحه واقعة إضافية، مثل تحرك إسرائيلي جديد في الجنوب، أو مقاتلون سوريون في اليمن، فيتحول النقاش عن احتمال التصعيد أو موقع سوريا الإقليمي إلى مشهد يبدو أن الكاميرا حسمته.
تحميل الخبر السوري معنى عراقياً
يظهر هذا الأثر بوضوح أكبر عند التعاطي مع مسألة الحدود العراقية، حيث أعيد استخدام مقطع قديم لتحركات طيران الجيش العراقي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، ضمن رواية عن مواجهة يتصدى فيها الحشد الشعبي لطائرة سورية قرب الحدود. وهنا تغيرت الواقعة وأطرافها معاً، فأصبحت الجهة السورية مصدر الخطر، وظهر الحشد في موقع من يحمي العراق منه.
يحمل هذا التغيير معنى خاصاً بعد سقوط الأسد، مع تصاعد النقاش داخل العراق حول طبيعة السلطة السورية الجديدة وأمن الحدود معها، وظهور مخاوف لدى فصائل وقوى متحالفة مع إيران من انعكاسات التحول السوري. لذلك لا يقدم الفيديو حادثاً عسكرياً غير صحيح فحسب، بل يرسم علاقة بين طرفين يخرج منها الخطر من سوريا، فيما يؤدي الحشد دور المدافع.
وتظهر الاستثمار في الزاوية العراقية بصورة أخرى مع استقبال رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في دمشق، حين استخدمت "اي نيوز" صورة لا يظهر فيها العلم العراقي للحديث عن رسالة سياسية موجهة إلى بغداد، رغم أن صوراً أخرى للمراسم أظهرت العلم. لم تحتج الرواية هنا إلى فيديو قديم أو نقل جغرافي، بل إلى اختيار جزء واحد من الواقعة وإعطائه معنى لا تثبته بقية المشاهد.
تكتسب هذه القراءة حساسية إضافية لأن علاقة دمشق بأربيل تتداخل مع ملفات سورية داخلية تتعلق بالأكراد و"قسد" وشكل العلاقة بين السلطة المركزية والمناطق ذات الكثافة السكانية الكردية، وبذلك يدخل التنافس العراقي بين بغداد وأربيل إلى قراءة حدث سوري يرتبط أيضاً بإعادة ترتيب علاقات دمشق في الداخل والخارج.
وتصل هذه الروايات إلى الرئيس الشرع نفسه في الملفات المرتبطة بالسيادة، عندما زعمت القناة في أحد ادعاءاتها التنازل عن الجولان، وهو اتهام يصيب قضية شديدة الحساسية في مرحلة تواجه فيها السلطة الجديدة أسئلة فعلية عن علاقتها بإسرائيل وقدرتها على حماية الأراضي السوري، وهنا يتحول ملف سياسي وأمني مفتوح إلى نتيجة محسومة عن التفريط بالأرض.
تختلف الأمثلة، لكن كل واحد منها يدفع المشهد خطوة في اتجاه محدد، فالمقاطع القديمة توسع الاعتراض الداخلي، وتقرب ادعاءات عسكرية الخطر الخارجي، وتربط المواد المتعلقة باليمن سوريا بصراع إقليمي، فيما تجعل روايات الحدود والجولان والعلاقات الخارجية السيادة والقدرة على اتخاذ القرار موضع شك.
ولا يعني ذلك أن الأزمات التي تستند إليها هذه المواد غير موجودة، فالاحتجاجات الاقتصادية وقعت فعلاً، والجنوب يواجه تحديات أمنية، والحدود والعلاقة مع إسرائيل والكرد ودول الجوار ملفات قائمة. لكن المواد المضللة تضيف إلى هذه الأزمات وقائع لم تثبتها الصور المستخدمة، فتوسعها أو تغير معناها أو تمنحها بعداً سياسياً أشد.
وهنا تكمن قوة المادة الحقيقية حين توضع في غير سياقها، إذ يعرف المتلقي مسبقاً أن الجنوب متوتر، وأن السوريين يحتجون، وأن الحدود العراقية حساسة، وأن المنطقة تعيش صراعاً إقليمياً واسعاً. لذلك لا تحتاج الرواية إلى إقناعه بوجود الأزمة، بل يكفي أن تقدم له صورة تبدو وكأنها تثبت أن الأزمة اتسعت أو انتقلت إلى مستوى جديد.
تكشف خلفية القناة سياقاً أوسع
يكتسب التكرار في هذا الاتجاه أهمية إضافية عند النظر إلى البيئة التي تعمل فيها "اي نيوز"، حيث أن دراسات متخصصة تربط القناة بكتائب "سيد الشهداء"، ويقول معهد واشنطن إن الفصيل يدير شبكة "اي نيوز".
كما يضع مركز مكافحة الإرهاب في وست بوينت كتائب "سيد الشهداء" بين الجماعات العراقية التي أرسلت مقاتلين إلى سوريا منذ عام 2013، ضمن المعسكر الذي قاتل إلى جانب النظام المخلوع.
ويجعل هذا التاريخ سقوط نظام الأسد تحولاً يتجاوز تغيير حكومة في دولة مجاورة، فقد انتهى حكم شاركت فصائل عراقية متحالفة مع إيران في الدفاع عنه عسكرياً لسنوات، وصعدت مكانه سلطة أثارت منذ أشهرها الأولى اعتراضات داخل البيئة السياسية نفسها.
ظهر ذلك في نيسان/ أبريل 2025 عندما عارض فالح الخزعلي، النائب المرتبط بكتائب "سيد الشهداء"، دعوة الشرع إلى بغداد، واستخدم لقبه السابق "الجولاني" معتبراً أن دماء العراقيين لا تزال حاضرة. وسبق ذلك نشر موقع الكتائب الرسمي في كانون الثاني/ يناير تحذيراً نقله عن محلل إيراني من أن العراق قد يواجه "مصير سوريا" إذا جرى حل الحشد الشعبي.
تضع هذه الخلفية المواد المضللة التي تنشرها "اي نيوز" في سياق أكثر وضوحاً، فالحدود السورية العراقية تظهر مساحة يمكن أن يعبر منها الخطر، والسوريون يدخلون في روايات عن ساحات صراع مرتبطة بمواجهة إيران وخصومها، فيما تحضر السلطة الجديدة في أخبار تمس الجولان والسيادة والعلاقة مع بغداد وأربيل، فلا يبقى الخبر السوري شأناً خارجياً فقط، بل يصبح جزءاً من نقاش عراقي حول مصدر التهديد وموقع الفصائل ومستقبل التوازنات التي تغيرت بعد سقوط الأسد.
وعند جمع الحالات، لا تصنع كل مادة الرواية وحدها. واحدة تضيف احتجاجاً، وأخرى تحركاً عسكرياً، وثالثة جبهة خارجية، ورابعة تهديداً على الحدود، فيما تضع مواد أخرى السيادة موضع شك. لكن تراكم هذه الإضافات يمنح "اي نيوز" شيئاً لا يوفره الرأي السياسي وحده، وهو الدليل البصري المساند للرواية.
فالقول إن الاعتراض على السلطة يتسع يبقى قراءة قابلة للنقاش، إلى أن تظهر حشود يفترض أنها توثقه. والحديث عن خطر عند الحدود يبقى تقديراً، إلى أن تظهر طائرة أو آليات قيل إنها وصلت بالفعل. كما يبقى الحديث عن دخول سوريا في صراعات المنطقة احتمالاً، إلى أن تظهر صور لمقاتلين يقال إنهم وصلوا إلى إحدى جبهاتها.
بهذا لا تعمل الصورة ذات السياق المختلف كخطأ جانبي في الخبر، بل تمنح الرواية السياسية مظهراً واقعياً. عندها لا تحتاج "اي نيوز" إلى اختلاق أزمات تزعم أنها تواجه سوريا الجديدة، فجزء كبير منها موجود أصلاً، وما تفعله المواد المنقولة أو المنتقاة بشكل مضلل هو توسيع هذه الأزمات وربطها ببعضها وتحويل المخاوف المحيطة بها إلى أحداث تبدو مثبتة ومرئية.
والنتيجة صورة لسوريا ما بعد الأسد تبدو فيها الاضطرابات أوسع، والحدود أكثر هشاشة، والصراعات الإقليمية أقرب، فيما تواجه السلطة الجديدة روايات تشكك في قدرتها على حماية الأرض وتثبيت موقعها السياسي. وتتقاطع هذه الصورة مع مخاوف بيئة عراقية مرتبطة بفصيل قاتل إلى جانب النظام المخلوع، ثم وجد نفسه بعد سقوطه أمام سلطة غيرت موقع إيران وحلفائها داخل المنطقة.