اتسعت مساحة التأثير التي تحظى بها الصفحات غير المهنية والحسابات الفردية على منصات التواصل الاجتماعي، في ظل الوباء المعلوماتي الذي رافق التحول السياسي في سوريا عقب سقوط نظام الأسد، وغدا العديد منها مصادر رئيسة يتابعها آلاف المستخدمين بحثاً عن أي معلومة جديدة، بينها صفحات تعرف نفسها بأنها توثق الانتهاكات بحق الاٌقليات في سوريا.
ومع ازدياد الرغبة لدى عدد من منشئي المحتوى بكسب التفاعل والمشاهدات طمعا بتحقيق مكاسب مالية، يبرز الاستثمار في المحتوى التهكمي أو المضلل بشكل واضح واضح ضمن البيئة الرقمية السورية، التي تحوي تداخلاً متزايداً بين الخبر والرأي والسخرية والإشاعة، وهو ما سبب أزمة ثقة متنامية في التحقق من المعلومات ومصادرها، ومن الأمثلة على ذلك صفحة تدعى "مرصد توثيق الانتهاكات بحق الأقليات في سوريا".
تحليل البيانات الرقمية للصفحة وسياق ظهورها
تمثل صفحة "مرصد توثيق الانتهاكات بحق الأقليات في سوريا" نموذجاً لـ"الفوضى المعلوماتية" في البلاد، حيث يتقاطع فيها التضليل المعتمد على انتحال الصفة الحقوقية، مع توظيف السخرية لتحقيق انتشار واسع وتمرير أجندات تحريضية.
بدأت الصفحة نشاطها لأول مرة في 2 شباط/ فبراير 2025، ضمن سياق تصاعد انتشار المحتوى الذي يعرف نفسه بأنه يتتبع "الانتهاكات بحق الأقليات الدينية" عقب سقوط نظام الأسد، واعتمدت نشر محتوى مضلل ممزوج بتشكيك وسخرية من صفحات أخرى تحمل أسماء مشابهة كان معظمها لا يملك المنهجية اللازمة والمهنية المطلوبة لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان ما أوقعهم في فخ التضليل، بينما تعمّد البعض الآخر من هذه الصفحات بث التضليل المشحون بالعواطف السلبية، لزرع صورة ذهنية تبقي الأقليات الدينية في حالة ذعر وخوف من تبعات سقوط الأسد.
تاريخ الصفحة وتغييرات أسمائها وأجندتها
تُظهر مراجعة تاريخ الصفحة وسجل تغيير أسمائها دليلاً على غياب الأهداف المهنية الثابتة، إذ بدأت باسم "توثيق الانتهاكات ضد الأقليات"، وهو اسم يوحي بصبغة حقوقية منذ اللحظة الأولى لاستغلال الأحداث الجارية، وذلك بتاريخ 2 شباط/ فبراير 2025.
في 7 شباط/ فبراير 2025، تحول الاسم فجأة إلى "هدوء"، وهو تغيير يكسر الهوية الحقوقية المزعومة، قبل العودة لاسم "مرصد توثيق الانتهاكات بحق الأقليات في سوريا"، بتاريخ 15 أيار/ مايو 2025، وهو ما يشير إلى استقرار الصفحة على "قالب" محدد وربما وجد القائمون أنه الأكثر قدرة على حصد التفاعل من الجمهور السوري.
سجل تغيير أسماء الصفحة وموقع المنطقة الأساسي للأشخاص الذين يديرونها
وتظهر بيانات الصفحة أنها تُدار من تركيا، وهو أمر يتقاطع مع نماذج رصدتها منصة (تأكد) لصفحات مضللة تُدار من الخارج (مثل الأردن) من قبل جهات مجهولة تفتقر للمهنية، تضخ تصريحات ملفقة أو أخبار كاذبة تخدم جهات مجهولة.
ويبرز التناقض في عمل الصفحة، من الاسم والشعار الذي يضم (حمامة السلام، الكتاب، اليد البشرية التي تحتضن ذلك، الأسلاك الشائكة)، والذي يوحي بالحرص على حقوق الإنسان ومناصرتها، وبين واقع المنشورات وهو إرباك الجمهور، وتجريم الضحايا بالتبعية، وتحويل الانتهاكات الجسيمة إلى مادة للسخرية والتشكيك.
شعار الصفحة
رصد "مسار التضليل الساخر"
يلاحظ أن أول منشور للصفحة هو خبر إلقاء القبض على عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، والمتهم بجرائم تشمل القتل العمد والتعذيب، والذي جرى صياغته بمحاكاة ساخرة تدعي أن "قوات الهيئة تخطف رجل مسن من جبلة وتقتاده إلى جهة غير معلومة، بتاريخ 31 آذار 2025"، وهو نمط ينطوي على دمج السخرية بالكذب.
أول منشور للصفحة هو خبر إلقاء القبض على عاطف نجيب،
أعقبه منشورات ضمن ذات السياق، بينها نبأ القبض على عيسى السليمان، المعروف بلقب "أبو حيدر جوية"، والذي شغل سابقًا منصب رئيس مفرزة المخابرات الجوية في بلدة الناصرية، بصياغة ساخرة تزعم أنه "اعتقال تعسفي لعنصر صالح يحب وطنه ومجتمعه".
التجريم بالتبعية كمدخل للسخرية من ضحايا العنف
بينما تبدو المنشورات السابقة محاكاة ساخرة للمحتوى الذي يبرّئ المجرمين أو يدعي المظلومية، تضمن محتوى الصفحة فيما بعد منشورات ومقاطع فيديو توثق ارتكاب ضباط سابقين في جيش الأسد انتهاكات بحق مدنيين، خلال سنوات الثورة السورية، هذا التذكير بجرائم النظام المخلوع، بدا أنه تحريض يبرر ارتكاب انتهاكات بحق أقليات تُجرّم بالتبعية.
نموذج عن منشورات للتجريم بالتبعية
وجذب المحتوى السابق الممزوج بآخر ساخر مبني على التضليل آلاف المتابعين، وهو ما أسفر عن سخرية صريحة من ذوي ضحايا عمليات ضمن أحداث وقعت بعد سقوط نظام الأسد، بنشر صورهم كصورة ملف شخصي ضمن محتوى متخفي تحت ستار نشر الانتهاكات ودعم الضحايا، موجه إلى جمهور غالباً ما يتبنى مغالطة "التجريم بالتبعية".
ويبرز من بين المنشورات الساخرة، صورة لامرأة سورية فقدت ثلاثة من أبنائها في مجازر الساحل السوري، بحسب المعلومات والشهادات التي تحققت منها منصة تأكد، وتضمن منشور الصفحة تفاعل وتعليقات تهين كرامة المرأة وذوي الضحايا.
تفنيد ادعاءات حديثة
ورصدت منصة (تأكد) في الآونة الأخيرة منشورات مضللة للصفحة ضمن سياق التصريحات المفبركة، وحققت انتشاراً أوسع من ذي قبل، مع ارتباطها برجل الدين العلوي غزال غزال، أبرزها مزاعم "دعوته في تسجيل مصور إلى مهاجمة أحياء الطائفة السنية في مدينتي اللاذقية وطرطوس انتقاماً من سلطة الأمر الواقع"، وهو ما ثبت زيفه، إذ لم تنشر صفحة "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى" أو أية مصادر موثوقة أخرى ما يدعم الادعاء.
أحد الادعاءات الملفقة التي تنشرها الصفحة
إضافة إلى ادعاء يزعم تمثيل المدعو "غزوان محمد"، لمنصب مدير العلاقات الاجتماعية للطائفة العلوية، وتصريحه عبر قناة روناهي بأن رجل الدين العلوي، غزال غزال، استولى على أموال المساعدات والدعم المخصص لـ"لواء درع الساحل"، وتحويلها إلى حسابات مصرفية في سويسرا، وهي جميعها مزاعم كاذبة، إذ لا وجود لمنصب بهذا الاسم، كما أن محمد لم يصرح على قناة روناهي بما سبق ذكره.
أحد الادعاءات الملفقة التي تنشرها الصفحة
وتسهم هذه الادعاءات المفبركة في تأجيج التوترات الطائفية وتعزيز حالة الاستقطاب المجتمعي، باستخدام اتهامات تتعلق بالتحريض أو الفساد أو الصراع الطائفي دون دليل، خاصة في ظل اعتماد شريحة من المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار.
ويزداد خطرها عند إعادة نشرها خارج سياقها الأصلي أو دون الإشارة إلى طابعها الساخر، إذ يمكن أن يساهم الأمر في نشر خطاب الكراهية وتقويض الثقة بالمعلومات الموثوقة والجهات المعنية بالشأن العام.
منهجية التوثيق بين غياب المهنية والأجندات الموجهة
بموازاة هذه الصفحة الساخرة، تبرز بضع منصات تحمل تسمية مشابهة، وتعلن تبنيها لتوثيق الانتهاكات بحق الأقليات، غير أنها تساهم في تعميق الفوضى المعلوماتية عبر مسارين؛ الأول يتمثل في صفحات تفتقر للمنهجية الحقوقية اللازمة للتحقق، مما يوقعها في فخ التضليل عبر نشر البلاغات دون التحقق من أصلها وصحة معطياتها. والثاني هو وجود منصات تتبنى أجندات واضحة تهدف لتخويف الأقليات الدينية من تبعات سقوط النظام عبر ضخ محتوى مضلل، مثل إعادة نشر مقاطع تزعم توثيق إعدام علويين من قبل مسلحين يتبعون للدولة السورية، بينما هي في الحقيقة توثق مجزرة ارتكبها تنظيم داعش بحق 16 شخصًا من أفراد أسرتين من الطائفة السنية في ريف حلب عام 2014.
استخدم القائمون على الصفحة القوالب التحريرية للمنصات آنفة الذكر بأسلوب ساخر، وأدى خلط القائمين المتعمد بين "السخرية" و"التضليل الجدي" إلى أثر عكسي خطير، تمثل في تشكيك البعض بحقيقة وقوع انتهاكات فعلية، إلا أن الواقع الميداني الذي وثقته منصة (تأكد)، ومنظمات دولية، يثبت حدوث انتهاكات، وذلك في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة، التي تعرضت لهجمات بين 7 و10 آذار/ مارس 2025، استهدفت أكثر من 30 بلدة وقرية ذات غالبية علوية، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1,400 شخص، عقب هجمات لفلول نظام الأسد استهدفت القوات الحكومية حديثة العهد.
تجارة التضليل والتحريض .. أرباح على حساب السوريين
تعد صفحة "مرصد توثيق الانتهاكات بحق الأقليات في سوريا" مثالاً واضحاً على الصفحات التي تستخدم اسماً وشعاراً يوحي بالعمل الحقوقي لتمرير أخبار كاذبة وساخرة تهدف لتحريض الناس وإرباكهم.
ولا يقتصر الأمر على هذه الصفحة، بل يمتد إلى شبكة واسعة من الصفحات والحسابات الشخصية، من بينها "سوريا الغد" و"هكذا تحدث الأشياء"، التي تستغل الانتشار السريع للمحتوى التحريضي والمضلل لتحقيق مكاسب مالية، مستفيدةً من آليات تحقيق الدخل لدى شركة "ميتا"، التي تربط العوائد بمستوى التفاعل وحجم التعليقات، دون الاهتمام بصحة المحتوى أو أصالته.
لذا، تقع المسؤولية على عاتق المستخدمين في الحذر من هذه الصفحات التي تتضلل السوريين من أجل التفاعل والأرباح، وعلى منصة "فيسبوك" في مراجعة نظام مكافآتها الذي يساهم في نشر هذا التضليل.