لم تمضِ سوى ساعات على إعلان اعتقال أمجد يوسف، عنصر المخابرات العسكرية السابق ومرتكب مجزرة التضامن؛ حتى انتشرت موجة من المعلومات المضللة والتحريض الطائفي التي سعت إلى توظيف الحدث لإشعال الفتنة بدلاً من دعم مسار العدالة الانتقالية.
وتنوّعت هذه الحملات بين روايات ملفّقة حول هويته وحقيقة اعتقاله، وتحريض طال قريته وأبناء منطقته.
يرصد هذا التقرير أبرز تلك المعلومات المضللة والحسابات المحرّضة والمواد الموظَّفة في ذلك.
تضليل رافق اعتقال مرتكب مجزرة التضامن
رافق إعلان اعتقال أمجد يوسف سيلٌ من المحاولات التضليلية التي تنوعت أساليبها بين استخدام المحتوى المرئي وانتحال الشخصيات وصولاً إلى التحريض الطائفي.
ادعاء: مظاهرة تطالب بالإفراج عن اليوسف
من أبرز هذه الادعاءات، ما روّجته حسابات على فيسبوك حول خروج أهالي قرية "نبع الطيب" بمظاهرة تطالب بالإفراج الفوري عن "أمجد يوسف"، غير أن التحقق الرقمي أثبت زيف هذا الادعاء، وتبيّن أن الفيديو المتداول يعود في الأصل إلى القرية نفسها خلال مظاهرات الساحل السوري في كانون الأول/ديسمبر 2025 التي دعا إليها رجل الدين العلوي "غزال غزال".
مقطع الادعاء المضللالمقطع الاصلي
حقيقة حساب سليمة يوسف
وبرز في الوقت ذاته حساب يدّعي أنه يعود لأخت أمجد يوسف، ينشر محتوى يطالب بمحاكمة عادلة بلغة تحريضية طائفية في بعض الأحيان.
حساب "سليمه يوسف" المزيف
غير أن العودة إلى تبويب شفافية الصفحة كشفت أن اسمها تغيّر إلى "سليمة يوسف" بتاريخ 25 نيسان/أبريل 2026 عقب إعلان الاعتقال مباشرة، بينما كانت تحمل أسماء لصفحات إخبارية مختلفة منذ عام 2018 من بينها "شبكة أخبار السويداء" و"السويداء اليوم".
تاريخ الحساب
مقاطع زُعم أن أصحابها يبرؤون يوسف
رصدت منصة (تأكد) اجتزاء مقاطع فيديو لشخصين سوريَّين معارضين للإيهام بأنهما يصفان أمجد يوسف بكونه مزارعاً بسيطاً أو عامل توصيل طعام لا علاقة له بالانتهاكات، إلا أن التحقق أثبت أن المقاطع اقتُطعت من سياق مغاير تماماً وأن الحديث لم يكن يتطرق لشخصية يوسف أصلاً.
وعمدت بعض الصفحات إلى التلاعب بالخط الزمني للأحداث، إذ ادّعت ظهور صورة أمجد يوسف وهو قيد الاعتقال في مقطع فيديو نُشر قبل ثمانية أيام من إعلان اعتقاله رسمياً، كدليل على فبركة عملية الاعتقال، غير أن التحقق أثبت أن الصورة البارزة عُدِّلت حديثاً بوضع صورته فوق فيديو قديم بهدف خلق إرباك حول حقيقة اعتقال يوسف.
وفي السياق ذاته، روّجت حسابات لادعاء أن "نجيب الحلبي" المتهم بالمشاركة في مجزرة التضامن لا يزال مقيماً في السويداء تحت حماية حكمت الهجري، وهو ادعاء كاذب، فتحقيق "قرابين التضامن" الصادر عن الغارديان عام 2022 وشهادات موثّقة أكدت أن الحلبي لقي حتفه عام 2015 أثناء حفر نفق على الجبهة.
ومن أوجه هذه الحملة هي محاولة تزوير الهوية الطائفية لأمجد يوسف، إذ روّجت حسابات لادعاءات تنسبه إلى الطائفة المرشدية.
مصدر ادعاء
في حين تشير المعطيات المتاحة وشهادات أبناء المنطقة إلى انتمائه إلى الطائفة العلوية، وهو تضليل استخدم أصحابه عبارات تهدف إلى التحريض ضد الطائفة المرشدية وتحميلها مسؤولية ما ارتكبه أمجد يوسف.
تطييف الجريمة وشرعنة العقاب الجماعي
وعملت بعض الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي على خلق حالة من الاستقطاب الحاد والتحريض الطائفي. اتخذ هذا التحريض منحىً تصعيدياً خطيراً تجاوز المحاسبة القضائية للمجرم نحو الدعوة الصريحة للعقاب الجماعي.
تحريض ضد سكان القرية
راج على منصات التواصل منشورات تطالب بتمشيط قرية نبع الطيب بالكامل ومداهمة منازلها واعتقال سكانها من الصغير إلى الكبير.
خطاب تحريضيخطاب تحريضي
استند هذا الخطاب إلى فرضية تضليلية تعتبر مجرد وجود يوسف في قريته دليلاً كافياً على تورط البيئة الاجتماعية برمتها في التستر على مجرم حرب، متجاهلاً مبدأ المسؤولية القانونية الفردية.
خطاب تحريضي
بالمقابل، أكد مختار القرية "يوسف شما" لقناة (الحدث) أن عملية القبض على يوسف تمت بمداهمة مفاجئة لمنزله في السابعة مساءً، موضحاً أن أهالي القرية كانوا يعتقدون بوجوده في دمشق، في حين لم يكن يقيم في القرية سوى أفراد عائلته.
مقابلة قناة (الحدث مع أهالي القرية)
تحريض ضد طائفة يوسف
وانزلق خطاب التحريض هذا نحو لغة طائفية إقصائية حاولت صبغ الجريمة بلون واحد، معتبرةً أن الانتماء للطائفة العلوية بحد ذاته يمثل دليلاً على التواطؤ، مستخدمةً نسباً مئوية لا مصدر موثقاً لها تعمم وتدّعي أن غالبية ساحقة من أبناء الطائفة مجرمون.
خطاب تحريضي
ووصل التطرف إلى حد نزع الهوية عن أي شريك مفترض في الجريمة من طوائف أخرى، مدّعياً أن مجرد مرافقة شخص من طائفة معينة تجعله تابعاً لها طائفياً، في توجه واضح نحو تحويل قضية اعتقال فرد إلى محاكمة مجتمعات بأكملها.
خطاب تحريضي من حساب أنس هبرهخطاب تحريضي
المساءلة لا الانتقام
ما كشفته قضية أمجد يوسف، وما سبقها من حملات رصدتها منصة (تأكد)، أن التضليل بات يعمل بمنطق مختلف؛ لا يكتفي بتزوير الوقائع، بل يوظّفها لتحويل كل قضية إلى نزاعات هوية، وتحويل المسؤولية الفردية إلى عقاب جماعي.
وأخطر ما في هذه الحملات هو الانزلاق نحو التعميم والتنميط واستهداف الطوائف، حيث يجري تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال فردية، في انتهاك صريح لمبدأ المسؤولية الفردية، وفتح الباب أمام خطاب تحريضي قد يترجم إلى ممارسات عنيفة على أرض الواقع.
ويُعدّ توظيف المعلومات المضللة في سياق التحريض من أخطر أشكال التضليل، لأنه لا يكتفي بتشويه الحقيقة، بل يسهم في إنتاج بيئة مشحونة بالكراهية، ويغذي سلوكيات قد تهدد الاستقرار المجتمعي وسلامة الأفراد المستهدفين.
ورصد هذه الأنماط والتحقق منها والتصدي لها، هو واجب لحماية الحقيقة في مراحل بناء الدولة الجديدة بعيداً عن أطر الصراع.