ينتقد مواطن قراراً حكومياً، أو يكشف صحفي تقصيراً في مؤسسة عامة، أو يطالب ناشط بمحاسبة مسؤول. لكن النقاش قد ينصرف سريعاً عن أصل المشكلة، ليصبح المنتقد نفسه موضع اتهام بـ"النيل من هيبة الدولة".
عندها لا يعود السؤال: هل وقع التقصير فعلاً؟ وهل المعلومات المنشورة صحيحة؟ بل ينتقل النقاش إلى نيات الناقد وولائه، وكأن الاعتراض على مسؤول أو قرار يعني إهانة الدولة أو رموزها.
لا يحدث هذا التحول دفعة واحدة، بل عبر ثلاث مغالطات مترابطة: مساواة زائفة تضع النقد والإهانة في خانة واحدة، وتعميم متسرع يحمل جميع المنتقدين مسؤولية إساءة بعضهم، ثم مغالطة رجل القش التي تحوّل نقد المسؤول إلى هجوم على الدولة.
تبدأ المغالطة الأولى عندما يُعامل نقد الأداء العام بالطريقة نفسها التي تُعامل بها الشتيمة الشخصية، لكن هناك فرق بين أن يقول مواطن: "لقد فشل المحافظ في معالجة أزمة الطرقات"، وأن يوجه إليه إهانة لا علاقة لها بأدائه. العبارة الأولى تتضمن حكماً على عمل مسؤول عام، ويمكن مناقشتها والرد عليها بالوقائع والنتائج، أما الثانية فتستهدف الشخص نفسه، ولا تقدم بالضرورة معلومة قابلة للفحص.
وقد يخطئ الناقد وينساق وراء مغالطة الشخصنة، أو يجتمع النقد والإهانة في منشور واحد، لكن اجتماعهما لا يحولهما إلى فعل واحد؛ إذ يمكن التحقق من صحة المعلومات الواردة في المنشور، ثم تقييم لغته بصورة مستقلة؛ فاللفظ المسيء لا يجعل الواقعة كاذبة، كما أن صحة الواقعة لا تجعل الإساءة مقبولة.
يبدأ الخلط حين يصبح غضب المسؤول أو تضرر صورته دليلاً على عدم مشروعية الكلام، عندها لا تُدقق المعلومة، بل يُقاس أثرها في "الهيبة" و"المكانة"، وتُعامل المطالبة بالمحاسبة كأنها اعتداء على المؤسسة.
تجسّد هذا الخلط في تطبيقات قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، الصادر في عهد النظام المخلوع، إذ جمع بين جرائم تقنية واضحة وأفعال مرتبطة بالتعبير، مستخدماً عبارات واسعة مثل "الأخبار الكاذبة" و"القدح أو التحقير الإلكتروني" و"النيل من هيبة الدولة".
لكن هذه الأفعال لا تخضع للمعيار نفسه، فالمعلومة الكاذبة تحتاج إلى إثبات كذبها، والإهانة تُقيّم وفق ألفاظها وسياقها، بينما يتصل نقد المسؤول بأدائه وقراراته، وجمعها تحت وصف واحد يمحو الفروق بينها، ويجعل أثر الكلام في صورة المؤسسة بديلاً عن التحقق من مضمونه، فيُحاسب الناقد وتضيع فرص التحسين ويزداد نفوذ المسؤول.
لا يتشابه جميع المنتقدين؛ فبعضهم ينشر وثائق ومعلومات، وبعضهم يقدم رأياً قاسياً، وبعضهم يكرر معلومات غير دقيقة، فيما يلجأ آخرون إلى الشتائم أو يطلقون اتهامات بلا دليل.
لكن التعميم المتسرع يختار أسوأ هذه النماذج ويقدمه ممثلاً للجميع، وبذلك تصبح منشورات محدودة تتضمن إساءة أو تضليلاً حجة لوصف النقد كله بأنه تجاوز للحدود أو استهداف للدولة.
ضمن هذا المنطق، يُوضع الصحفي الذي يكشف مخالفة، والمواطن الذي يعترض على سوء خدمة، والشخص الذي ينشر اتهاماً كاذباً، في فئة واحدة، ولا يعود كل فرد مسؤولاً عن فعله، بل يصبح الجميع جزءاً من ظاهرة واحدة يُفترض ضبطها.
وساعدت المصطلحات الفضفاضة في القوانين والخطاب العام السوري على ترسيخ هذا التعميم، لأنها لم تفصل بوضوح بين الخطأ غير المقصود والتضليل المتعمد، أو بين التعبير الحاد والإهانة، أو بين انتقاد المسؤول والتحريض عليه.
وترسخ هذا الأسلوب خلال عقود حكم الأسد الأب والابن، حين امتزجت الدولة بالحزب والحكومة والرئيس. فلم يكن الاعتراض على الحكومة يُقدَّم دائماً بوصفه نقداً لأدائها، بل أمكن نقله بسهولة إلى مجالات الولاء والأمن والوحدة الوطنية، ولم يكن مطلوباً إثبات أن كل منتقد كذب أو أساء، كان يكفي إدخاله في فئة جرى تعريفها مسبقاً بوصفها مصدراً للخطر.
هكذا لا يعود النقد فعلاً يُقيّم وفق مضمونه، بل هوية تُلصق بصاحبه. وبمجرد تصنيفه ضمن "المسيئين" أو "المحرضين"، يصبح من الممكن تجاهل ما طرحه أو معاقبته، حتى إن استند إلى وقائع صحيحة.
تكتمل السلسلة عندما يُنسب إلى الناقد موقف لم يقله أصلاً؛ إذ ينتقد مواطن وزيراً، فيُقال إنه يهاجم الوزارة، وينتقد الوزارة، فيُقال إنه يسيء إلى مؤسسات الدولة، ثم يتحول النقاش إلى اتهامه بمعاداة الدولة نفسها.
هذه هي مغالطة رجل القش والتي تبدأ بتجاهل الموقف الحقيقي، واستبداله بموقف أكثر تطرفاً وأسهل في الإدانة. فالناقد يتحدث عن قرار محدد أو تقصير واضح، لكن الرد لا يناقش القرار أو التقصير، بل يصوره كأنه يرفض الدولة أو يسعى إلى تقويض الثقة بمؤسساتها.
هذه المغالطة تُعامل المسؤول كأنه المؤسسة كلها، ثم تُعامل المؤسسة الحكومية كأنها الدولة بأكملها. وبهذا يصبح الدفاع عن المسؤول دفاعاً عن الدولة، ويصبح طلب محاسبته اعتداءً على "هيبتها".
يؤدي هذا الخلط وظيفة واضحة، فهي تنقل النقاش من أداء المسؤول إلى نيات منتقده، ويُغيَّر مسار الكلام من الإجابة عن سؤال يتعلق بقرار خاطئ أو خدمة متدهورة أو شبهة فساد، ليصبح المنتقد مطالباً بإثبات ولائه وحسن مقصده.
أنهى سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 السلطة التي كرست هذا التصور، لكنه لم يُنهِ تلقائياً القوانين والمفاهيم التي حكمت علاقتها بالنقد، وبقيت عبارات مثل "النيل من هيبة الدولة" قادرة على إعادة إنتاج الخلط نفسه، ونقل النقاش من مساءلة المسؤول إلى محاكمة من ينتقده.
تبدأ السلسلة بالمساواة الزائفة، حين يوضع النقد إلى جانب الإهانة لمجرد أن كليهما قد يزعج مسؤولاً. ثم يأتي التعميم المتسرع، فيُنقل سلوك بعض المسيئين إلى جميع المنتقدين. وأخيراً تظهر مغالطة رجل القش، فيتحول النقاش من نقد المسؤول إلى اتهام الناقد بالهجوم على الدولة.
والنتيجة واحدة: لا تعود المؤسسة مضطرة إلى الإجابة عن أصل الانتقاد. يكفي تغيير اسمه؛ فيصبح النقد "تشهيراً"، والاعتراض "تحريضاً"، وكشف التقصير "نيلاً من الهيبة".
لكن إعادة تسمية الكلام لا تغيّر مضمونه. إذا كانت المعلومة كاذبة، يمكن إثبات كذبها. وإذا تضمنت إهانة، يمكن فصلها عن الوقائع وتقييمها وفق سياقها. أما إذا كشف النقد تقصيراً حقيقياً، فإن المشكلة لا تكمن في الشخص الذي تحدث عنه، بل في التقصير نفسه.
لا تتضرر هيبة الدولة من مطالبة المسؤول بالتفسير، بقدر ما تتضرر من تحويل موقعه إلى حصانة تمنع مساءلته. فالدولة التي تميز بين النقد والكذب والإهانة لا تضعف مؤسساتها، بل تحميها من أن تصبح "الهيبة" اسماً آخر للهروب من المحاسبة.