
هذه الصورة مفبركة وليست للهوية السورية الجديدة
تداولت صفحات على فيسبوك صوراً تزعم أنها الهوية البصرية الجديدة للبطاقة الشخصية وجواز السفر السوريين، ، غير أن هذه الادعاءات كاذبة.


قلّما نجد حدثاً في التاريخ نال قدراً كبيراً من التوثيق مثلما نالت الثورة السورية، فمنذ انطلاقتها حرص أبناؤها على حفظ الأدلة المرئية ليثبتوا حقيقة ما يجري، أمام حملة قادها إعلام نظام الأسد وشركائه الفاعلين لإنكار الواقع والتلاعب بالحقائق، وخلق سرديات بديلة مزيفة، محاولاً إخماد الثورة بطريقة توازي الجرائم التي ارتكبها.
ورغم وجود هذا الأرشيف التوثيقي الذاخر، ترصد منصة (تأكد) تداولاً لحكايات غير دقيقة حول الجرائم التي ارتكبها النظام، بما يعود بالضرر على حقوق الضحايا وتاريخهم.
"مواجهة الجلّاد بصور ضحاياه" هكذا رُوج للقطات والصور التي ظهرت فيها الإعلامية الأردنية المناصرة للثورة السورية، شادية العجلوني، حاملة صوراً للطفل الشهيد (حمزة الخطيب) خلال الجلسة الأولى من محاكمة (عاطف نجيب) رئيس فرع الأمن السياسي سابقاً في درعا، والمتهم بقضية الأطفال الذين كان اعتقالهم شرارة لاندلاع الثورة.
هذا المشهد بدا أقرب للاستعراض من المناصرة، خصوصاً مع محاولة تصوير المحاكمة على أنها تحصيل لحق الخطيب، الذي لا علاقة له بالقضية. فالطفل (حمزة الخطيب) اعتُقل في فرع التحقيق ضمن المخابرات الجوية في درعا، وفق شهادات موثّقة، بعد أن أُوقف عند حاجز قرب مساكن صيدا بتاريخ 29 نيسان/ إبريل 2011، أثناء مشاركته في مظاهرة انطلقت من بلدته الجيزة للمطالبة بفك الحصار عن مدينة درعا، ثم سُلّم جثمانه لأهله في 25 أيار/مايو 2011. كما أن شهادة مصوّرة لوالدته تفرّق بشكل واضح بين حادثة اعتقاله وحادثة الأطفال التي سبقتها بما يقارب الشهر، مما ينفي تورط نجيب باعتقال الخطيب وتعذيبه.
في مثال ملفت آخر، وفيما أُثير في مواقع التواصل عقب توقيف (أمجد يوسف) المتهم بمجزرة التضامن، يجري تداول صورة لامرأة وعدة أطفال، في مزاعم أنها عائلة فلسطينية كاملة قُتلت في المجزرة ودُفنت في حي التضامن، وحصدت هذه القصة التفاعل المطلوب، لكنها لم تخبر الحقيقة عن حكاية هذه العائلة، فالظاهرون في الصورة هم بعض أفراد عائلة (علوان)، التي اختفت قسرياً من منزلها بمنطقة نهر عيشة بتاريخ 3 نيسان/ أبريل 2014، أي بعد حوالي عام من مجزرة التضامن، وذلك بمداهمة المنزل من دورية مخابرات من مكافحة الإرهاب (فرع المنطقة)، وفق ما تفيد به شهادة مصوّرة لإحدى أفراد العائلة. كما قالت الشاهدة أن أصل العائلة يعود من الجولان المحتل، وكانوا يقطنون منطقة الحجر الأسود قبل نزوحهم للمكان الذي اختفوا منه.
كل قصة موثّقة من جرائم نظام الأسد هي دليل قائم بذاته ومكتمل الأركان، يحكي جانباً من الحكاية الكبرى ويوثّق نموذجاً مختلفاً عن ممارسات هذا النظام، والأنماط التي اتبعها في حربه.
لذا فإن تناول القصص بتفاصيل غير دقيقة، أو تغيير حقيقتها؛ يمكنه أن يخلط الأدلة ويضيع حقوق الضحايا، كما يمكن أن يُستخدم للطعن في مصداقية السردية بالكامل، عبر التشكيك بدقة روايات أخرى أو اتهامها بالكذب، مما يفتح الباب لإنكار الجرائم ويترك ثغرات في تاريخ الثورة يمكن للمضللين ملأها.
كما أن تعمّد المبالغات التي تُضاف على الحوادث وقصص الضحايا يعطي انطباعاً بأن أثرها الحقيقي لم يكن بالغاً بما فيه الكفاية، وأنها أقل مما تعرض له آخرون. وهنا سيُنال من الضحايا مرتين، في المرة الثانية عندما لا يُمنح ما مرّوا به حقه من التقدير وفرصته في الخلود.
تسعى العديد من المؤسسات المهنية والموثوقة لتوثيق حوادث الثورة السورية منذ انطلاقتها، ويمكن الرجوع لإنتاجات هذه المؤسسات للتوثّق من تفاصيل كل حكاية قبل مشاركتها.
من هذه المؤسسات (الذاكرة السورية) التي تعمل على جمع الشهادات مرئية ومكتوبة، كما توثّق الأرشيف المتعلق بالحوادث والشخصيات والكيانات، وكل ما له صلة بالثورة السورية. كما تعمل (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) على توثيق الحوادث بتقارير حالات حقوقية موثوقة، وكذلك يعمل (المركز السوري للإعلام وحرية التعبير) على التوثيق، بينما يركز (الأرشيف السوري) على إنتاج تحقيقات رقمية توثق بعض الحوادث التي يمكن التحقق منها وإثباتها بالأدوات مفتوحة المصدر (OSINT)، وأسست العديد من قواعد البيانات التي تؤرشف البلاغات ذات الصلة.